دراسة نقدية لرواية // ووترفون // للروائي نعيم ال مسافر// بقلم الأستاذ الناقد// يوسف عبود جويعد
تيار الوعي في ... ووترفون
َدراسة نقدية يوسف عبود جويعد
الرواية القصيرة " ووترفون" للروائي نعيم آل مسافر، من الروايات ذات الصوت الواحد، وكذلك أنها رواية دائرية تبدأ من حيث إنتهت، وتنتهي من حيث ابتدأت،إذ أن بطل هذه الرواية والذي تركه الروائي بدون اسم، يستيقظ وفي داخله إحساس طاغي وملح بأنه سوف يموت هذا اليوم، وهو هاجس لا يعرف أسبابه، وأنه مقتنع قناعة تامة بأن أجله سيكون هذا اليوم، وأن ورقته سوف تسقط، وأن المميت سوف يقبض روحه لامحالة.
وهذا الاحساس هو منطلق الأحداث، وبؤرة الرواية المركزية والرئيسة، حيث سيزج القارئ وسط كم كبير من الأحداث المختلفة، السيرية، والاجتماعية، والسياسية، والتاريخية، ويأتي ذلك وفق السياق الفني لمسار حياة البطل، الذي يجد نفسه قريب من الموت وعليه أن يراجع مسار الحياة، والاماكن التي كان يزورها ولها الاثر الكبير في مجرى حياته، حيث سدة الكوت التي يتذكر من خلالها المعركة التاريخية التي أضرت بسكان مدينة الكوت اندلعت بين الانكليز والعثمانيين، وكذلك يستعرض لنا بطل هذه الرواية حياته الأسرية، وكيف ترك زوجته في دائرة القلق وهو يخبرها بوفاته هذا اليوم،
أن عدد كبير من كتاب الرواية تناولوا هذه الثيمة، والتي تتعلق بالموت هذا السر واللغز الرهيب الذي لايمكن ان تحل طلاسمه، فهذا النص الروائي ينتمي الى نمط الرواية الكابوسية، الا أن الاختلاف فيها ان الرواية الكابوسية عبثية وغير مستقرة، بينما نجد أحداث هذه الرواية تتضمن جانب كبير من الواقعية ومن حياتنا الاجتماعية، حيث نراجع مع الروائي وبطل هذا النص أحداث تاريخية حصدت الكثير من الناس، مثل حرب الثمان سنوات الذي كان الموت يحوم بشكل بارز فوق رؤوس المحاربين من كلا الطرفين،
كما أن هذه الرواية تنتمي الى تيار الوعي، كون الاحداث تدار من داخل عقل وروح ومشاعر بطل الرواية الى خارجها، وتناقش الفلسفة الواعية للموت وما يحمل من معاني ورموز وكيف أن التفكير فيه، سيوقف حس الحياة ويضر بمن يفكر فيه، ويتوغل في معالمه الخفية وعالمه الرهيب:
" ربما يداهمني الموت الذي لابد منه. لماذا الآن؟ قد يكون بعد ساعات فهو لا يُعطي مواعيد دقيقة جدا. مواعيده يعرفها هو فقط وهنا تكمن هيبته وعظمته. فما قيمته ان لم يكن حاسماً مفاجئاً صادماً.. لكننا نخادع أنفسنا بعدم الوثوق بمواعيده المحتملة كما نفعل مع الكذابين الذين لا نصدقهم وإن فعلوا." (ص 7)
الأمر الذي جعل الاحداث متواصلة ومحتدمة، أن تلك الافكار التي كان بطل الرواية منشغل فيها عن الموت، وكذل ولعه بأفلام الرعب، ومعجب بالآلة الموسيقية "ووترفون" التي ترافق أحداث افلام الر عب كموسيقى تصويرية، وهي تصدر صوت استفزازي يثير الانتباه والرعب بذات الوقت، وهذا هو السبب الذي جعل الروائي أن يختار اسم هذه الآلة الموسقية عنوانا لروايته.
كما نجد حكايات كثيرة تتعلق بالموت داخل الرواية، ومنها حكاية كسر التوقع، والذي يتفاجأ الجميع بأن المركبة الكبيرة سوف تدهس العجوز التي تسير الهوينة وسط الشارع، الا ان السائق ينحرف عنها فتنجو ليموت الطفل الصغير في الجانب الآخر.
وسنجد في هذه الرواية ايضاً مبناً ميتا سردياً، إذ أن صديق لبطل الرواية يعطيه مخطوطة لرواية (موت على الورق) ليطلع عليها ويعطيه رأيه فيها، الا أنه يفقدها ثم يعثر عليها في لاحق الاحداث، وسنجد بعض من تفاصيل المخطوطة موظفا مع متن الرواية.
كما أن تيار الوعي وتفاصيل الوعي الفلسفي والنظرة الغريبة للموت، تذهب ببطل الرواية الى أبعد الحدود، فبعد أن يتذكر الكثير من الناس الذين يعرفهم ووالده وشيخ القبيلة وآخرين والذين فارقوا الحياة، يتمنى أن يعود أحد منهم من الموت ليحدثهم عن تفاصيل الحياة هناك في ذلك العالم المجهول، ثم يتداعى ويزداد احساسه بقرب نهايته فتزداد هواجسه:
" هل إن ما أمر به اليوم هو موت نفسي أم ماذا؟ لماذا كل ما يصادفني اليوم يتحدث عن الموت، وهو محيط بكل شيء من حولي! بكل حركة وبكل ذكرى. هل سأموت حقاً هذا اليوم؟ وهل هذه من علاماته؟ الألم في الصدر والكتف الايسر، صوت موسيقى الوترفون، ورواية موت على الورق، السفر بالطائرة للمرة الاولى، وظهور المميت وأعوانه، موت أسماك الزينة في الحوض، أفلام الرعب، متحف الشمع في تكساس، حادثة السيارة التي اصطدمت بسياج الحديقة، وفاة زوج سناء، قصف ساحة العامل، حصار الكوت، الزعيم القبلي محمد، رقم صندوق البريد الذي يطابق سني عمري ، الرئيس، المكتبة ،الجنود عند العراضة، المهجرون ، اختفاء اسم الملك، المنتحرة، الهويس، مقابر الانكليز والأتراك، السدر واليوكالبتوس." (ص 45)
وكما ذكرنا سالفاً أن الرواية دائرية، حيث نجد وبعد أن يستيقظ البطل في اليوم الثاني ولم يمت ، عودة الى مستهل الرواية وعتبة الدخول:
" ايقظني من النوم ألم مقلق في قلبي وكتفي الأيسر ، وطنَّ في أذني أول الصحو صوت موسيقى غامضة. كأنها تأتي من عالم سحيق ثم خطرت في ذهني عبار (موت على الورق) فداهمني شعور غريب أني قد أموت هذا اليوم.
وهكذا قدم لنا الروائي نعيم آل مسافر من خلال روايته "ووترفون" رؤية فنية فلسفية عبر تيار من الوعي المشوق الممتع وهو يناقش الحياة والموت بسرد يحمل ايقاع متزن.
من اصدارات الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق لعام 2024

تعليقات
إرسال تعليق