قصة.ق// على مر الزمان // بقلم الأستاذ // محمد الكروي


الكروي محمد
قصة قصيرة : على مر الزمان
على مر الزمان ، فوق بساط الخمائل جنوب شرق سبيكة الرمال ،و ثلاثينات المئة المنصرمة، تمخر نهر الحياة، وراء الكلإ، اثر نث رج مكنون الأرض ، كان وثد الخيمة ،استراحة قصيرة ، ضمن فضاء فسيح ممتد ، تتعانق فيه الأرض و السماء قبلات دافئة ،يحفها عبير نسمات طرية عبقة ، استعدادا لترحال في الافق، يروم العشب الأخضر الخفيف الظل ، المدر لحليب ولبن و زبدة وسمن ، ثغاء رعي ، على قفقفة برد و سيل عرق ،و رياح بين الفصول ، دون حواجز تلطف من حدتها .
ارقية و بعلها اعلي ، شخصان مختلفان مؤتلفان ، يتقاسمان الفراسة و الصبر و المواجهة سلاحهما في وجه شظف الايام.
ابتسمت الدنيا لارقية ، بقدوم مولود ذكر ، اُختير له اسم عمر ، سيكون السند الأول ، ثم ابراهيم مؤنس وحدة أخيه ،و طورا ثالثا تشرق اسارير الأم و الزهرة نغنغة تصدح، و كمنجة المنى ان تضيئ الليل وشعلة النهار بعث نار الموقد ، جمرة تحت الرماد ... كل شيء في الرمال البرتقالية ابتسامة شريط مزركش سرعان ما يذبل ، يأتي الحسين و الأب توارى التراب جراء غدر ماكر .
ارتبط الصغار بأمهم ، فهي الأب الذي لا تحتفظ رفيفات ذاكرة البكريين ، بأية صورة ، ولو باهتة القسمات ، و هي الأم التي اسند اليها الأولاد و كل متاع الاسرة ، على مر الزمان .
عمرت غمامة سوداء مترامية الأجنحة سماء ارقية و فراخها ، اللذين لا يعرفون معنى موت أبيهم الذي بكته عيون كثيرة .
تجردت الأرملة و اعتمدت على ذاتها في تربية الاهل و الدود عنهم ، و تدبير يومها المضني بالأعمال الشاقة ، على حراسة منها ، يرعى القطيع المتناقص ، اليها يؤول توريد القِرَبِ شربة ماء و لقمة عيش ، و المغزل انفاس ناي يشدو رقصة دائرية ، تدندن أوثار نسيج ،حمى برد ،غطاء و جلبابا،ومع صياح الديك تطلب الحطب، شعلة لا يجب ان تخمد ، الى لسانها تمد الأيادي و تزحف الأقدام.
ترعرع عمر و ابراهيم ، و باتا يرعيان الجديان ،ثم التناوب على ما ابقاه الجدب و الذئب و اختلاس الغفلة و العثرة و كسر حجر طائش، و البيع تلبية للضرورة اليومية، من ثمر و حنطة ، و تقادم أسمان طرزتها الأم رقعا ، تفي بالحاجة الى حين الإطلالة النادرة للجديد . والسماء مرآة صافية ، استقرت العائلة جوار مناجم الرصاص ، تلتقط و تغربل فتات الكثل الصغيرة و المتوسطة، عمل تهافتت عليه الأرامل و اليتامى و العجائز و الشيوخ .
بعد غياب لسنوات طوال، بدأ الفرح خجولا متعثرا يختلس اطلالته الخاطفة الى بيت ارقية، في غرفة متوسطة و اخرى كمطبخ صغير، خطفتهما السواعد من فم الواد عملا مشتركا بين الاقران، قطرا انزاح على سفح الجبل الصخري.
في سباق و رفيف الزمن، و حفاظا على الزرع و الزريعة، و بريق اليدين كحل على كل اردية الجسدين الغضين، من الوجهين الى اخمص الاقدام، وتوددا لفرح يكنس عبوس الرحلة، في عرس جماعي خفيف، زوجت ارقية عمر و ابراهيم و الزهرة.
تبقى الام وحيدة، وقد حلق تباعا اولادها، خلف عملهم هناك و هنالك، و هم تطلع مستمر نحو والدتهم مكتوبا ابيض باطنه بحر يكمش ورقة ترابية اللون مع سطور رمادية، بصعوبة يتهجى احدهم كلماته القارئة السلام و دراهم قليلة في الطريق الي الام الحنون... ثم الزيارة عما قريب، واحيانا اخرى الى اقربهم فالذي يليه تطرق الباب، لتعيش لحظات مريحة، يكدر صفوها عدم وجود مجايلة لها، بينهما يسيل الكلام حكايات و حكايات، ما يجعلها فريسة انطواء فتستعجل العودة.
عجزت ارقية القوية، فهب اليها الحسين محتضنا اياها، مع تواصل زيارة باقي الاخوين و الاخت... كأن الزمان لم يستنفد غيظه نحو هذه المرأة العظيمة، فأبى إلا ان يعضها بنابه الحاد، و كبرياءها يكسر مرضا عضالا، انتقاما من تحديها الكبير و نجاحها الباهر، وقد بلغت ايتامها شاطئ النجاة، و صغارهم يسعون حروف المجد هدية لها، و هي المدركة لسحر الحروف و الباحثة عمن يفك مدلولها اول امس ، انقض عليها المرض و ارداها مشلولة، تماما كما يأتي الوحش الضاري فريسته، و قد اسقطها ارضا لينهشها على مهل... جالت المكان نظرة اخيرة، و ابتسامة ارتياح حلوة تزين محياها النظير، وفي هدوء و اطمئنان اغمضت حدقتيها الحالمتين دوما بما هو أحسن و اجمل.
بين الاباء و الاولاد يسترسل على مر الزمان اكبار رميم ارقية، و هي الغائبة الحاضرة منذ ما يربو من نصف قرن و الى الابد، وكأنها حية ترزق، فلا يموت ابدا من يرعى الورود و الاشجار..


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بهرجة التّمنّي// بقلم . أ // جميلة مزرعاني

متأسف جدا // بقلم الأستاذ // فؤاد چاسب

تحليل ونقد لمقطع من القصيدة // وكان ذاك حبيبا // للشاعرة الأستاذة // نسرين صايغ // بقلم الأستاذ الشاعر والكاتب // علي محمد العبيدي