أنشودة الرحيل //بقلم الدكتور // مفلح شحادة شحادة


"أنشودة الرحيل – نجمة تتألق في متاهة الأفول"

كتلة من الضوء تشق عتمة ليل روحي، بريق يفترش السماء قبيل انطفاء جذوته الأخيرة. ها أنا أروم الرحيل، لا كزائر ولى، بل كمن ينقش على جبين الزمان قصيدة نضالٍ شجيّة.

مع كل دقة قلب في صدري، تهتف أنشودة الرحيل بأوتار روح متمردة، لا تقبل بأقل من نحت اسمها على جدار القدر. سفري ليس هروبًا، إنما هو اختيار المعركة، هو السير في دربٍ حُف بأشواك الشدائد، لكنه يمتد نحو مدى الحرية الأبدية.

بين زوايا الذكريات المتراصة، أختار الكلمات الأشد وقعًا والأبقى أثرًا. أرسم بريشة الحنين لوحة توديعي وأصوغ بالحبر الأغلى معاني الشكر لكل لحظة أفاقت في قلبي نبضة الحياة.

هذا رحيل ذاتي، رحيل يستعرض أنفاسي المضطربة، ويشهر سيف الإرادة في ميدان من المواجهة الفلسفية، هي مجابهة مع الأنا ومصالحة مع الآخر. أدوّن ملحمة الخروج من دائرة الإلف إلى عالمٍ ملهم بعيد المدى.

أرثي بصمت مسالك قدمي التي تركت بصمات وداع على الرمال، أترك للأمكنة التي أحببت آهات ورسائل تائهة في رجاء العودة. ولكنني، في لحظة الصفاء والسكون، أرتل تمايلات الأمل الأكبر على نقاط البداية الجديدة.

لتلك القصيدة أبيات تعتلي جبال الوجود، تتغلب على سطوة الغفلة بفكر عميق، تنير دروب الأيام بشعلة من أمل يحتدم ونار تزداد اشتعالًا بفكرة كل افتراق وكل استقبال.

رحيلي ليس مجرد ترنيمة وداع أو حتى قافية مغتربة، إنه أقدس من كل تعويذة وأثمن من كل طقوس القبول والرفض. هو زئير الروح المنادية لعبور العتبات لرسم معالم حياة أُخرى.

أدون في أنشودة الرحيل جوهر الكينونة، أنفض غبار الواقع لأرى الجمال الكامن ، أطوف على بساط الريح إلى حيث القدسية تحتشد، أينما تكون الخطوة الجريئة والتأمل العميق.

أتعلل بالغد الذي يهمس لي بأحاديث من نور ويروي لصبري خرافات العراقة والنضال.

في كل جملة، وفي كل وتر، وفي كل نفس، أعزف آيات رحيلي كما لو كانت الأبجدية تختزل الكون بيننا، كما لو كانت الحروف سنابل قمح تنمو في حقول الفراق.

فليكن الرحيل أيقونة الصراع، لوحة الوداع الأخير، اللمسة الأبدية لروح تنشد اللقاء في كل نحيب وفي كل اكتشاف، تتشبث بكل قطرة حلم، كي تروي أرض الواقع وتزرع فسيلة الأمل في أحضان المستقبل الواعد.

دكتور مفلح شحادة شحادة كاتب وشاعر المانيا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بهرجة التّمنّي// بقلم . أ // جميلة مزرعاني

متأسف جدا // بقلم الأستاذ // فؤاد چاسب

تحليل ونقد لمقطع من القصيدة // وكان ذاك حبيبا // للشاعرة الأستاذة // نسرين صايغ // بقلم الأستاذ الشاعر والكاتب // علي محمد العبيدي