ق.ق // الحقيبة // بقلم . أ // محمد الكروي


محمد الكروي
قصة قصيرة: الحقيبة
في منتصف ليل صيفي حار ، و مضخة الضوء طيلة بضع ساعات ، مجهدة تنفث اخر انفاسها ، و قد ساد الظلام الدامس هدوء الأزقة و الدروب، على سطح مرشوش أول غروب الشمس، أستلقت ام و صغارها ، استجداء نسمة لطيفة تجود غفوة مريحة ،كدرت صفوها نغنغة رضيعة ، تكالب عليها الحر و الجوع، فتحركت تطلب ثدي أمها المستجيبة همسا حانيا ، اتى على ما تبقى من وهن الكرى ، في عيني ابنها سعيد ، الغض الأسمر ،ذي الستة ربيعا ، النحيف و القصير القامة ... استغل يقظة الأم فزحف يسعى شربة تطفئ ظمأ الليل ، و الى جوار ممتصة قلب أمها جلس و عيناه تتأملان سكون الليل و جناحه المخيف ، في زهو يلف كل اوجه الحياة ... لتهربا و تحتميا بفنانيس السماء ...
قبل معانقة الوسادة الرخوة ، لفت نظره تواجد غريب، يطل كقط عبر ثقب الممر المنحدر ، في محاولة الولوج الى الغرفتين المتداخلتين ... من بين شفتين رقيقتين، مازالتا تحتفظان ببعض البلل، في دهشة و خوف مرتعدين استنجد سعيد بأمه المتعبة الغافية، و حيث لا جواب كانت المحاولة الثانية تقض المضجع اطلالة رجل ، يمد رأسه ثم يسحبه موحيا بشطحات الخيال و الوهم ... مذعورة ، و من ثنايا نوم ثقيل صدرت همهمة الأم و قواها خرقة متلاشية ، الا من لسان يغالب جفاف الحلق ، و هو يردد البسملة تهدئة لها و لطفلها سعيد و ألا شيء هناك ... لكن سعيدا قطع دابر الكلام ، و مؤكدا :
- انه لا يحلم ، و انه رأى رجلا طويل القامة يتحين اختلاس العبور الى الداخل .
بصعوبة ، و مشقة ، و بعد مدة غير قصيرة ، تحركت الأم و قد اصحت بكرها، شبه الميت ، نظير شغبه و لعبه طيلة النهار الممتد الأطراف ، حتى اذا ما غربت الشمس ، رحل في سبات عميق بمعدة تود لقمة العشاء .
كدجاجة ، تقوت الأم بفراخها ، فجابوا الغرفتين على دموع شمعتين ذاب نصيفهما ، فتبينوا متاعهما القليل البسيط ،فكل شيء في مكانه ، فلا بعثرة او نبشا ، و ان حقيبة الجارة عائشة ، كنف صفيحة لماعة مصونة محفوظة ،لم يطرأ عليها اي طارء ، على ذراعين من نصف كيس دقيق ، و تحت حبل بمثابة خزانة لملابس بالية .
استرجعت الأم بعض الهدوء ، المحفز على اتيان بقية البيت ، جولة متفحصة ، فالباب الخشبي ، دفة واحدة ، سهلة الاختراق و الانكسار مغلق ... في حيرة و اضطراب، و صمت، سال وابل من الأسئلة، فك عقالها في قلق ضجر نفد صبره:
- و من اين دخل ...؟
حول صينية الفطور النحاسية المشعة شمسا مشرقة ، يتربع براد متوسط الحجم ، و اربعة كؤوس مدفون ، في سند من زليفتي خشب تساعدان على تبريد الحريرة ، لذة و شهية غائبتين .
اثير حادث الأمس الممثل من طرف سعيد ، تمثيلا بارعا ، على موطإ قدمي اللص الذي كان يروم استغفال العينين الحدرتين الثاقبتين ،في استجابة لإغراء النوم .
بعد ان تبينت الأم القامة الطويلة ، و استجابة لرغبة العيون الصغيرة، في المزيد من الكلام ، اردفت تقول ،بعد ربط حلقة الحدث بما قبله :
- زارتني ضحى البارحة ، الجارة فلانة ، و انا اقطع قدح العجين و الولبه، فكلمة منها ، و اخرى مني :عن الاحوال و الاحباب و الاهل ، التفت في صمت جاب الغرفة نظرة شاملة، و متسائلة في استغراب شديد:
- اليست هذه حقيبة ...؟ و ما سبب الخوف عليها؟
بكل عفوية ردت صاحبة العجين، و هي تستودع الأمان غير محله:
- فيها أغراضهم و اوراقهم و رزقهم .
على وقع رزقهم هبت المرأة الشابة الرقيقة المحبة للهزل واقفة ، و قد ادارت الفكرة في رأسها سهوا خاطفا استظل رموشها و بحر عيونها العسليتين سبح منتشيا ، متدرعة : انه وقت الشغل و لا داعي لكأس الشاي رغم الحاح صاحبتها .
خلصت دردشة الفطور الى ان زائرة الامس الكثيرة القيل و القال مع السؤال ، و الحديثة العهد بالزواج بعلا مسرفا سجارة و لعب اوراق و سهرا يستنزف دريهمات الجيب ، هي من اسرت لزوجها امر الحقيبة ، و مكان تواجدها ، و السبيل اليها ،عساها تفرج .
تسلق باب الرحى ثم نط على جدار متوسط الارتفاع و بعد ثلاثة امتار اوقفه سعيد قبل البابين المشرعين ... تنفيسا لهمها و غمها استرسلت الأم تقول : كان سيدخل و يتسوق على مهل و لا احد يشعر به لولا لطف الله و حق الجورة، كشفه الله و ما بيننا من ملح و نار و دخان و انه لا يقبل على سرقتك الا من يعرفك ، و يعرف حاجته و مكانها و اللحظة المناسبة لذلك .
محمد الكروي
08-12-2023

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بهرجة التّمنّي// بقلم . أ // جميلة مزرعاني

متأسف جدا // بقلم الأستاذ // فؤاد چاسب

تحليل ونقد لمقطع من القصيدة // وكان ذاك حبيبا // للشاعرة الأستاذة // نسرين صايغ // بقلم الأستاذ الشاعر والكاتب // علي محمد العبيدي