طبيعة النقد الذوقي // أشكاله // أنواعه // مرجعياته // بقلم الأستاذ // عبد الكريم حمزة عباس
=============================
تعتبر الطريقة الذوقية في النقد من أقدم الممارسات النقدية ، لأن الذوق الفني كان عماد النقد عند أغلب النقاد القدماء و المحدثين ، و كثير منهم يعتبر التذوق عملية جوهرية في النقد الأدبي، ومرحلة أساسية في التعامل مع النصوص الأدبية، بل إن التذوق الفني في نظر عدد من الأدباء و الفلاسفة هو الوسيلة الوحيدة لإدراك الجمال الفني في الأعمال الأدبية و الفنية وهو الصفة النوعية الأساسية التي تميز الناقد الأدبي و الفني عن باقي الدارسين الذين يهتمون بالإنتاج الأدبي و الفني .
التذوق الفني أشكال و أنواع ، وليس واحدا عند جميع النقاد ، وطبيعته تختلف بإختلاف ثقافة الأدباء و النقاد و ميولهم الأدبية و الفنية ، و أيضا بإختلاف العصور و الظروف التاريخية العامة .
ينقسم النقد الذوقي الى:-
١ - النقد الذوقي التأثري الخالص الذي يكتفي بتسجيل الإنطباعات و التأثرات الذاتية للقارئ أو الناقد دون أية محاولة تعليل أو برهنة .
٢ - النقد الذوقي مرحلة أولى من مراحل عملية النقد ، ينتقل بعدها الناقد إلى مرحلة التحليل و التعليل و البرهنة العقلية .
و بلا شك أن النوع الثاني أنضج و أرقى من الأول ، وهو الذي ينبغي أن يمثل الصفة الحقيقية للتذوق كطريقة أو منهج في النقد .
فالعقاد مثلا يميز نوعين من الذوق :-
أ - ذوق شائع يمتلئ الجمال و يستحسنه حين يراه معروضة عليه .
ب - ذوق نادر يبدع الجمال و يضيفه على الأشياء و لا يكون قصاراه أن يتملاه حين يلقاه أو يساق اليه .
ويميز طه حسين، على شكل مشابه أيضا بين ذوق عام و آخر خاص : الأول شائع يشترك فيه أبناء الجيل الواحد في البيئة الواحدة ، و الثاني ذوق خاص فني يتأثر بالذوق العام و يمثل الشخصية الفردية الناقد.
ويعتبر ميخائيل نعيمة النقد عملية ذوقية تأثرية تختلف بإختلاف النقاد و أذواقهم و لا تخضع للمقاييس و القواعد الجامدة ، فلكل ناقد غرباله ، ولكل ناقد موازينه و مقاييسه ، وهذه المقاييس ليست مسجلة لا في السماء و لا على الأرض، وقوة الناقد هي ما يبطن به سطوره من الإخلاص و المحبة لمهنته، و الغيرة على موضوعه ، و دقة الذوق ، ورقة الشعور ، و تيقظ الفكر .
٣ - الذوق الحداثي المتحرر و المؤمن بالتجدد و التحول في القيم الفنية و الجمالية و بالتعدد في الأشكال الإبداعية، ولا يخضع لأي قيم مسبقة ثابته سوى قيم الحرية و التحول و الإبداع و الجمال.
إن منهج التذوق يتطلب الإدراك ، أن التعمق في اللغة فهما ، و إستيعابا، و إحساسا، من ضرورات التعامل مع ثقافة تلك اللغة ، بل من بديهياته ، لأن التذوق نفسه لا يتم إلا بعد إجادة هذا كله .
المنهج الذوقي النقدي يعتمد على دقة التحليل ، وعلى الصبر في تمحيص المفردات و التراكيب السياقية ، و يرفض الدخول على العمل الأدبي بنتائج مسبقة ، أو فرض أي تصورات خارجية عليه ، وإن اللغة فيه ، هي الكاشفة عن مكونات الكاتب النفسية و الإجتماعية، وهي الهادية إلى خفايا إيدلوجيته الفكرية و السياسية، وهي مفتاح مراميه النصية و مقاصده.
أن المنهج النقدي التذوقي ، منهج من المناهج النقدية الحديثة التي تأبى الدخول إلى النص من باب المعلومات الخارجية عنه ، و إنما تقوم بتحليله من الداخل ، و تكشف عن مضمونه من خلال تمحيص بنيته النصية ذاتها، و ليس من خلال ما يتردد عن كاتبه ، أو عن عصره من شائعات.
إنه قريب من ذلك الذي نادى به ( رولان بارت ) ، عندما قال ب ( موت المؤلف) لحساب التركيز على النص ، ونبذ المناهج النقدية القديمة التي تجعل الحديث عن المؤلف و مراميه ، وعن حياته و تكوينه ، و عن عصره و مواقفه ، مدار إهتمام النقد ، و أداة تفسير العمل الأدبي من خارجه ، وهو منهج يرى أن النص هو مدار العملية النقدية و شاغلها الأساسي، وإن الوسيلة الفضلى لتناوله ، هي إرهاف الوعي بكل جوانب اللغة التي يتكون منها هذا النص، وبما تنطوي عليه هذه اللغة من بنى و دلالات ، ومن هنا كانت حداثة هذا المنهج، وأهميته القصوى ، و تنبع هذه الأهمية أن المنهج ، برغم لقائه مع منطلقات المناهج النقدية الحديثة ، لم ينقل عنها ، و إنما توصل إلى كشوفه المنهجية ، ومحدداته العلمية ، بعيدا عن تأثيراتها، من خلال تفحص التراث الأدبي و النقدي، و الوعي بخصائص اللغة و أسرارها، ولذلك تجنب أصحاب هذا المنهج أخطاء المناهج النقدية الحديثة، وتجاوز مزالقها، ولم يتحقق تركيزه على البنية على حساب الدلالة أو العكس .
وهو فضلا عن هذا كله ، منهج يقول بأن للنص الأدبي أكثر من مستوى دلالي ، و أكثر من إحتمال تأويلي، تظهر بعضها اولا على هيئة أوهام ، قد تستبد بالقارئ، ولكنها ما تلبث أن تتبدد ، إذا ما انكشفت له مجاري دلالات الكلام الخفية ، و أماط اللثام عما في مطاويه .
هذا المنهج النقدي، يحمل بطبيعة نشاته، رفضا واضحا قاطعا غير متلجج، لأكثر المناهج الأدبية التي كانت شائعة، و صار لها السيادة على ساحة الأدب الخالص ، و غير الأدب الخالص .
إن في تسمية كثير من المناهج النقدية الحديثة، تجاوز شديد البعد عن الحقيقة ، و فساد عليه، وخلط مشين ، وذلك لأن المنهج النقدي يتطلب بداءة ما يسمى ( ما قبل المنهج ) الذي هو الأساس الذي لا يقوم المنهج النقدي إلا عليه .
(*) المصادر :-
١- إشكالية المنهج في نقد الشعر العربي المعاصر- عبد الله شريق - ٢٠١٥ - القاهرة- ص ٦٩- ٧٤ .
٢ - افق الخطاب النقدي- د.صبري حافظ - القاهرة - ١٩٩٦- ص ١٦٠ - ١٦٢.
عبد الكريم حمزة عباس
=================

تعليقات
إرسال تعليق