قراءة نقدية للقصة القصير جدا بعنوان // كهل // للأستاذة الأديبة // لين الأشعل // بقلم الأستاذة // زينب الحسيني
للأديبة لين الأشعل .
قراءة: الاديبة زينب الحسيني .
النص:
كهل.
محت الشظيَّةُ ذاكرته..
خوى جوفه, قُدَّ قميص إنسانيَّته.
أسعفه الشارع بالحكمة.
سألتُه عن عمرهِ...
-أنا منِ التهمتِ الأرَضَةُ صحيفة طفولتهِ.
القراءة:
تمهيد:
القصة القصيرة جدَّاً هي إحدى الأجناس الأدبية الحديثة الطارئة على المشهدالثقافي العربي التي يعود منشأها إلى
الغرب, من خلال قصة كتبها أرنست همنغواي سنة (1925 ) من ست كلمات:" للبيع... حذاء طفل... لم يلبس قط"
وقيل إنَّ الكاتبة الفرنسية ناتالي ساروت,هي أول من كتب ققج.
لكنَّ عدداً من الكتاب والنقاد العرب, يؤكدون أنَّ في تراثنا السردي العربي, جذورٌ للقصة القصيرة جداً,
ويقول د. مسلك ميمون في كتابه" ما قبل السر"
" إن الققج. فنٌّ أصيل, ما دامت له جذورٌ في تراثنا وثقافتنا, وأدبِنا الشفهي والمكتوب, والأمر ليس من باب المزايدات
الابستيمولوجية, بل هي حقيقة دامغة" وقد اعجبني تعريفٌ ل "محمد منو" حيث يقول:
" الققج. حدثٌ خاطف, لُبوسه لغةٌ شعرية مرهفة, وعنصره الدهشة والمصادفة والمفاجأة والمفارقة, وهي قصٌّ
مختزل وامضٌ يحوِّل عناصر القصة من شخصيات وأحداث وزمان ومكان, إلى مجرد أطياف ويستمد مشروعيته
من أشكال القص القديم كالنادرة والطرفة والنكتة."
وتستفيد الققج. من سمات عدد من الفنون والأجناس, لكنها لا تنسب إلى أيٍّ منها ولا تصير تابعة لها.
فنحن أمام فن أدبي, " راح يثبت حضوره وجدواه ويرسخ جذوره, بشكلٍ يسمح للكاتب
وللمتلقي معاً بحرِّية الحركة, فيصبح المتلقي أو الناقد شريكاً في عملية الكتابة الإبداعية والتحليل والتأويل"
يقول الناقد والمفكر أحمد طنطاوي," القصة القصيرة جداً هي إيقاع هامس وموسيقى خفيَّة كما في قصيدة النثر,
يستشعرهما القارىء في تنظيم مجريات الشعور عنده, فالمجال هنا هو التعامل مع إحداثيات الروح,
التي يستحيل الإمساك بها.. هي تُرى فقط وتدعو في الوقت نفسه للتَّنامي الحدسي سعياً للاستنارة والتبصر"
الموضوع:
العتبة: "كهل"
"كهل" هو الشخص الذي جاوز سن الشباب ولم يصل بعدُ إلى مرحلة الشيخوخة. وهو مفردة نكرة رئيسية, لا تعني شخصاً معينا بالذات.عنوان يسترعي انتباه المتلقي, ليتعرَّف على هذا ال"كهل" كعنوان.
وقد حظي العنوان باهتمامٍ كبير في كل الأجناس الأدبية وخاصة قي الققج. لأنه حسب ما يقول الناقد جميل الحمداوي:
" أول عتبة يمكن أن يطأها الباحث السيميائي قصد استنطاقها بصريَّاً ولسانياً وافقيَّاً, وهو تلك العلامة الدالَّة أو الشيفرة
المتوِّجة للعمل الإبداعي" ورغم أهميته, العنوان "كهل" لم يكشف المتن.
نبدأ بالاستهلال: ( محت الشظية ذاكرته.. خوى جوفه, قُدَّ قميص إنسانيته. )
الذاكرة هنا ليست دالاً على الذاكرة وحسب, إنماهي مجموعة دوالٍ على الهوية والكينونة والوجود الفعلي. والقول :
"محت الشظية ذاكرته" يوحي بان حرباً اقتلعته من جذوره وشردته, فتركته عارياً كشجرة تساقطت أوراقها تحت ضربات
العواصف وهوج الرياح... ترى ما الذي يستبطنه قول "خوى جوفه , وقُدَّ قميص إنسانيته."؟
الخواء , يعني النضوب الكلي,الذي ليس أقله الجوع, والحرمان , الذي يتمظهر تشظِّياً وندوباً في النفس .
" قدَّ قميص إنسانيته" تعبيرٌ فيه تناص مع سورة النبي يوسف, وهنا جاء التعبير مجازيَّاً, فيه دلالة على انتهاكٍ لإنسانيته,
وكيف لمن آل إلى هذه الحال من "خواءٍ" وفقدانٍ للهوية ومعنى الوجود , أن يحس بمعنى الإنسانية؟؟
وما القول " أسعفه الشارع بالحكمة" إلا للدلالة على أنَّ الشارع أصبح بالنسبة للبطل, الملاذ الوحيد الذي يمدُّه بالحكمة,
أوعلى الأقل, المكان الذي يستمد منه الحذاقة والمعرفة الضرورية للبقاء والاستمرار حيَّاً..
وحين تسأله الكاتبة/ الساردة عن عمره, يجيب:" أنا من التهمت الأَرَضة صحيفة طفولته"
أيضاً لدينا تناص مع سورة "سبأ" حيث ذُكرت دودة "الأرضَة" التي تحكي قصة سيدنا سليمان في القول:
" فلما قضينا عليه الموت, ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته"
والأرَضَة تمتلك قدرة كبيرة في تحطيم الأثاث والمفروشات وهي "آكلةٌ للخشب"
في القفلة دلالة مجازية على تلك "الآكلة / الأرَضة" وهي نفسها "الشَّظية" التي دمرت حياةَ ووجود الطفل/ الكهل,
ولفظته وحيداً إلى الشارع, فامَّحت آثار طفولته و صار"كهلاً" قبل الأوان ..
وهنا ينفتح باب التداعيات أمام المتلقي , لتحضر في ذهنه صور أطفال الشوارع المشردين من جراء الحروب والدمار
والفقر, أولئك الذين يبيتون في العراء ليل نهار... فتحصد أرواحَهم الأوبئة الفتاكة, أو ينصرفون إلى تعاطي الموبقات.
الحبكة السردية / اللغوية .
الحبكة السردية/ اللغوية :
النص يمتلك كل مقومات الققج. بدءاً من العنوان الذي لم يكشف المتن, لكن فيه إيحاءات
شكلت مفارقة مع القفلة المباغتة المذهلة, تكمن في ثنائية: كهل/ طفولة, حيث يكتشف المتلقي أن البطل ما يزال طفلاً, قفز بغتة
إلى مرحلة الكهولة لكثرة ما ذاق من مرارة الحياة وشقاوتها.
النص مكتوب بجمل مكثفة جد معبِّرة دون استرسال في التوصيف, استعملت الكاتبة فيها الحذف مما يتيح المجال واسعاً للتأويل من قبل المتلقي
لملء الفراغات وبهذا يصبح شريكاً للكاتب في الكتابة الإبداعية, شريطة " ألا يعلن أبوَّته للكاتب, ويؤوِل النص
كما يحلو له"
في النص تناص قرآني يثري النص,وقد أشرت إليه في معرض الشرح للإيحاءات التي يختزنها السرد.
أحسنتِ الكاتبة توظيف أفعالٍ تخدم النص بسرعة وديناميكية, وتوضح مقصديتها:
( محت, خوى, قُدَّ, التهمت) وهي افعالٌ تدلُّ على التشظِّي والخواء والالتهام ( الذي يحمل معنى الخطف السريع)
في الختام: النص بديع واقعي متخيَّل,ذو إسقاطاتٍ واقعية جمة, يحمل سمة إنسانية اجتماعية, تهدف الإضاءة على معاناة أطفال الشوارع وغيرهم ممن شردتهم الحروب وأذلتهم الحياة, في عالمٍ يحكمه طغاةٌ همُّهم أن يعيشوا أباطرة
على حساب قهر الشعوب وانتهاك إنسانيتهم..

تعليقات
إرسال تعليق