قصة قصيرة // الشيطان // بقلم الأستاذ // محمود روبي


( الشيطان ) - قصة قصيرة

*****

تسللَ شخص إلى غرفتي.. حدث هذا في ساعة متأخرة من ليلة شتوية عاصفة. فعل الرجل الغريب كل ما في وسعه لتبرير مجيئه إلى ذلك المكان حين قال برفق:

" لم أحضر لأسرق، إنما جئت لأحتمي من الطقس السئ، وسأرحل لأفتش عن مأوى آخر فور أن تهدأ العاصفة " ..

هكذا حاول استعطافي واستلاب عقلي في تلك اللحظة. وبما أن اللصوص لا يسطون على مكان يدب فيه ولو قليل من يقظة؛ حفزني ذلك أن أهضم روايته..

استطاع ببراعة أن يجعل من وجوده حقيقة لا سبيل إلى إنكارها حين كان الوضع حرجا ومثيرا في تلك اللحظة نادرة الحدوث بهذه الطريقة المريبة..

فبرغم أن الغرفة ضيقة وكانت تعج بالفوضى لكنه تمكن سريعًا من خلق فسحة تسمح لجسده أن يضطجع ويتمدد..

تظاهر كلانا بالنوم العميق؛ علا صوت الشخير مع اشتداد الريح في الخارج لكنه استقر تدريجيًا حين نشب عراك عنيف بيني وبين زوجتي الغاضبة من عجزي عن الإنفاق عليها منذ فترة طويلة..

نهض الرجل كالذئب وقد رسم على وجهه علامات الفزع لما تدخل لإنهاء الصراع المحتدم لمصلحته.. فكان يهمس إليها ثم يعود محاولًا إقناعي بضرورة التخلص من صخبها وطردها نهائيًا، فالمكان لم يعد يسمح بمزيد من الفوضى أو مزيد من الحمقى، وقد نجح فعليًا في ذلك..

أيقظني مرة لينصحني بكنس الغرفة وإزالة كافة محتوياتها التي سببتْ له أرقًا.. نزلتُ على رغبته وقمت بجمع أعقاب السجائر المتناثرة وكانت لا تزال نصف مشتعلة، وكذا زجاجات الخمر الفارغة والنصف الفارغة فألقيتُ بها..

أيقظني مرة ثانية وقد كشَّر عن أنيابه البارزة.. لم يكن قادرا على مواصلة الكذب وستر النوايا.. عرض عليَّ أن أختار من بين اثنتين؛ إما مغادرة الغرفة سالمًا وتركها له أو ليُخرجني منها بالقوة..

وقع الصراع وكانت الغرفة قد خلت من الزجاجات - ربما كانت ستُحدث إصابات بالغة لأحدنا.. وأعتقد أنه فكر بذلك حين أشار علي بإلحاح أن أتخلص منها..

تبادلنا اللكمات العنيفة والركلات الغادرة. ولما فقدنا طاقتنا، ذهبنا إلى اتفاق هدنة كما يجري في الحروب؛ علَّ يتسنَّى لكل طرف مراجعة حساباته، إما مواصلة القتال أو الدخول في مفاوضات مباشرة من أجل التوصل إلى حل يُرضي طرفيّ النزاع.. وفي حالتنا تلك لم يكُن هناك فرص كثيرة للحل، فإما أنا أو هو..

خلال الهدنة احضرتُ طعامًا لاثنين وكوب كبير من المياه.. كان هو يجلس القرفصاء في الزاوية المقابلة لي.. دعوته على سبيل إكرام الضيف أو بالأحرى لإحراجه وتشجيعه على العدول عن رغبته العدوانية تجاهي لكنه رفض الدعوة بشدة وأخبرني بأنه لن يأكل أو يشرب قبل أن ينتهي الصراع.. قبضتُّ الطعام بكفيَّ - وكان لا يزال ساخنًا - فرميته فوق تل القمامة أسفل النافذة..

عُدنا للقتال الذي كان أعنف من ذي قبل، خلا تماما من أية أخلاق أو نُبل.. وعندما ترنَّحنا وفلَّت قوانا؛ استسلمنا سويًا وقبِلنا – مضطرين - العيشَ في الغرفة البائسة بعد أن تضاءلت المساحة التي كنت أسيطر عليها قبل مجئ ذاك الشيطان الحقير..

أصبح لي الآن فقط فسحة صغيرة بحجم جسدي الذي فقد كثير من وزنه وتغيرت ملامحه.

****

محمود روبي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بهرجة التّمنّي// بقلم . أ // جميلة مزرعاني

متأسف جدا // بقلم الأستاذ // فؤاد چاسب

تحليل ونقد لمقطع من القصيدة // وكان ذاك حبيبا // للشاعرة الأستاذة // نسرين صايغ // بقلم الأستاذ الشاعر والكاتب // علي محمد العبيدي