دراسة نقدية في نص // إلى أبي // بقلم الأستاذة // سما سامي بغدادي // بقلم الأستاذ الناقد // محمد الكروي


دراسة نقدية في نص
( إلى أبي للشاعرة سما سامي بغدادي ) بقلم الاديب الناقد محمد الكروي
.............................................
محمد الكروي
هذه قراءة نقدية في نص : الى ابي ، للدكتورة الشاعرة الكبيرة سما سامي بغدادي ،،، التمس من هواة النقد تناول نص/ أمي لنفس الشاعرة ، على اساس تقاسم الخبرة و التجربة و تبرشم نسيج اللغة و الأفكار من تقديم و تأخير و اعتراض و استنتاج ...
نص : الى أبي
إشتاقت احداقي الى محياك ، أبي
حلمت بك ظلا يناغي عتبة القمر
وركناً من سكينة ترتاح فيه خصلات شعري
لم أعد كما كنت ، أبي
طفلة تتعشق بغمرة الياسمين من صباحك الندي
لم أعد تلك الفتاة بجديلة شقراء
تحلم بإرتقاء الغيوم
و تحلق على جناح حمامة نحو وادي الشمس
و تنتظر القمر يجيئها على قدميه
و يخرج يديه المخفية
كي يمنحها وعداً وردياً محملاً بهدايا العيد
مضى الزمان أبي
صرت إمرأة وحيدة على عتبة فصل بارد
حولي مأتم المرايا
و عزاء التجارب الباهتة
و ترابك المضياف حوّله إشارة من سكينة
تهب الريح تعوي في زقاقنا القديم
و تطوي وصال الأوقات ...
رميت ضفيرة طفولتي
و تفاحة عمري التي قطفتها
دحرجتها الأوهام
أبي مازلت انتظرك
في ضيافة الشمس و العصافير ، فلا تتأخر
عد بي إلى ربى الشعور
إلى حبور الأوقات و ليالي السمر
إلى ركنك المعبأ بالذكر
  و عطور المسك في بساط جدتي 
    إلى صباح بأنسام بكرية 
    تهب في زقاقنا القديم 
    باتت سماؤنا مليئة بالضباب يا أبي 
    عد و خبئني في قعر المحيط عن عيون الشمس 
    أنا مهزومة كشجرة أنكرت ثمارها ،
    خرساء كالصمت في منتصف حديث حب 
    خاوية أدور في عالم متهالك
    عيناي كأعشاش عنقاوات مهجورة 
    كم كنت عطوفا يا ابي !
    كم كنت حنوناً و أنت تغلق مرايا أحداقي .
    و أنت تطفىء الشمعدان 
    آخذاً بيدي إلى زوايا الربيع 
    كم كان الصمت في حضرتك بهيا بالحبور ؟
    أصغي لهمسك البعيد يشدو :
    غدا، يا صغيرتي ، سوف نذكر 
    كيف كنا .. لسنا نعبر 
    لا نعرف الى ضفة الامان كيف نعبر ..
    غدا سوف يأتي الربيع ليعانق السماء ،
    فقط لنؤمن ..وننظر  
    مواسم الحب
    كيف تزهر 

سما سامي بغدادي

1- الاطار العام :
    حبلى ثنايا النص الادبي الطويل ، بالغناء الحزين تمجيداً لدور الأب الذي يملأ الحياة دفء وبهجة ، على بساط الوان زاهية لا تبلى و ليالي الزمان .
    الى بابا ، تتطلع عيون الفراخ ، فهو الحضن و السند و الحمى ، على يده ندب أولى الخطى   ، و سيراً على  هديه نتهجى أبجدية الوجود ، له نحمل الأفراح و عليه نشكوا الاتراح ،و الاثنين يمزج إبتسامة توقظ العزم ،و تقوي الارادة و التحدي و الإصرار ، نظرة عميقة خبرت صروف الدهر ،  ذي الناب الحاد المسموم ، و المروض على حلم بابا ، نشيدا على مسامع صغاره ، المرددين له لحنا  يتفتق الواناً طروبة تؤنس الترحال حكماً صانعة رجال و نساء الغد .
و في إضافة لما سبق، نود أن نشير، إلى التكامل الوجودي بين الطفل و الاب حسب ما تراه الدراسات النفسية ، فاذا كان الطفل يمنح الأب الأبوة ، فان هذا الأخير يمنح طفله الوجود في الحياة ، فكلاهما  مرتبط بالأخر ، و على هذا الأساس يرى علم النفس بأن الطفل  أب للرجل .
2- تأثير النص بالعناصر الخارجية :
    يرفل هذا النص الادبي ، تأثيرات مختلفة ، متداخلة ،  تستحضر  أوراق الزمن الغابر ، و الزمن الحديث ، و ما بينهما من تفاعل حضاري كبير .
    فأول هذه التأثيرات: مسحة دينية طاهرة   تحث الانسان على الاهتداء بها إبتغاء التعايش و العمارة ، و ثانيها التصوف البسيط و ثالثها الأسطورة الخفيفة المشعة عمقا يراعي السياق ، بعيدا عن كل تكليف ثقيل على القارء . و رابعها التناص الثر ، المتعدد و المفتوح النوافذ على الإبداعات الأدبية الحديثة التي لها تأثيرها القوي في بناء معمار ثقافتنا اليوم ، و اخيرا فن العمارة المحتضنة للذات و الأحلام و ربيع الحياة .
3- المكونات الأساسية البنيوية .
1- شدة الشوق / 1-3
2-  تخطيت الطفولة / 4-13
3- السكينة / الأوهام  / 14-22
4- انتظار و استرجاع لحظات الأمس /23 -36 
5- مزايا و صفات الأب / 37-41
6- غدا و نوافذ الأفق / 42-49
4- مضمون القصيدة  :
    تجلو القصيدة ، شدة الشوق الى شخص الأب الذي لا  يبلى ذكره مع مرور الايام  وتقلبات الفصول و التقدم في سلم العمر ، فهو السند ، و هو العون، و اليه تزف  المنى ، و بمسحه من يده البيضاء تهون المنعطفات ، و تندمل الجراح ، فهو السكينة و الهدوء ، هو منجم الطاقة و التحدي حيا و ميتا ، على ذكرياته،  زاد الأمس ، تتجدد الحياة لدى الخلف و هو يراجع و يفتق براعم احلى الدروس و اسلسها، فهي سراج من  السلف للخلف ،   المراعي دوما تمديد و تواجد الاب، فلأب بما اودعه صغاره يبتغي سريان حلقة الزمن ، و الفراخ  بدورهم ، و هم يقفون عند كل ما يكسر الغفلة ، يرشون ماء زهر و ورد على أواصر المحبة و العرفان المبجلين لكل نبل و طموح يطمئنان الروح .  
5- الايقاع الداخلي لنص .
    اهم المكونات الموسيقية و الموازنة الصوتية ، و في مقدمتها الطباق : 
    لم اعد تلك الفتاة بجديلة شقراء 
    ...
    صرت إمرأة و حيدة على عتبة فصل بارد 
    ...
    باتت سماؤنا مليئة بالضباب أبي 
    ...
    خرساء كالصمت في منتصف حديث حب 
    خاوية أدور في عالم متهالك
  التكرار : أبي.
    إشتاقت أحداقي إلى محياك، أبي  
    ... 
أبي مازلت أنتظرك 
    ...
    كم كنت عطوفاً يا أبي !

التاء الساكنة : إشتاقت – حلمت.
التاء المتحركة : صرت – رميت
لم أعد :
    لم أعد كما كنت أبي
    ...
لم أعد تلك الفتاة بجديلة شقراء 
الهاء : يجبئها – يمنحها – قطفتها – دحرجتها
الى :
    عد بي الى ربى الشعور 
    الى حبور الأوقات و ليالي السمر 
    الى ركنك المعبأ بالذكر 
تهب : 
    تهب الريح تعوي في زقاقنا القديم 
    تهب في زقاقنا القديم
الى جانب كلمات مثل سكينة – عتبة – القمر – الشمس – غداً – أحداقي. 
التوتر :
    إشتاقت أحداقي الى محياك ، أبي 
    ...
    مضى الزمان أبي 
    ...
    عد و خبئني في قعر المحيط عن عيون الشمس 
    ...
 التوازي :
    كم كنت عطوفا يا ابي ! 
    كم كنت حنوناً و أنت تغلق مرايا أحداقي 
الحوار : 
    الحلم- الربيع- الحب 
    أصغي لهمسك البعيد يشدو:
    غدا ، يا صغيرتي ، سوف نذكر 
    كيف كنا ..لسنا نصبر 
    لا نعرف الى ضفة الأمان كيف نعبر ..
    غدا سوف يأتي الربيع ليعانق السماء ، 
    فقط لنؤمن .. و ننظر 
    مواسم الحب 
    كيف تزهر

6-مكونات الصورة الشعرية :  المجاز – التشبيه – الاستعارة ، و تقديم رؤية انطباعية تجريدية ، و قراءة مفككة للنص .
    الصورة الشعرية ، إحدى اهم المكونات التي عليها تنبني بنية القصيدة لدى الشاعرة ، و في مقدمتها المجاز : 
   حلمت بك ظلا يناغي عتبة القمر
   ... 
   تحلم بإرتقاء الغيوم 
   ...
   رميت ضفيرة طفولتي 
   و تفاحة عمري  التي قطفتها 
   ...
   عد بي الى ربى الشعور 
   ...
   إلى ركنك المعبأ بالذكر 
- الاستعارة : 
إشتاقت أحداقي إلى محياك ، أبي 
...
نحو وادي الشمس 
...
و تنتظر القمر يجيئها على قدميه 
...
و ترابك المضياف حوله اشارة من سكينة 
...
في ضيافة الشمس و العصافير فلا تتأخر 
...
عد و خبئني في قعر المحيط عن عيون الشمس 
...
أخذاً بيدي الى زوايا الربيع .
   - التشبيه:
أنا مهزومة كشجرة أنكرت ثمارها ، 
خرساء كالصمت في منتصف حديث حب 
...
عيناي كأعشاش عنقاوات مهجورة 
    -قراءة انطباعية للنص:
    نلمس من خلال قراءة قصيدة : الى أبي ، على إننا امام قصيدة ابداعية ثرية بمعمارها الفني و الجمالي النبيلين الرائعين الساعيين الى تواجد الأب ، عبر استذكار و اعتراف جد مؤثرين ، لا ينال منهما سباق الليل و النهار ، و قد نقشا في ابهى حلل حرف يرعى سحر المبنى و المعنى ، زاد من حسنهما خيال خصب يتزين استعارات بالغة التأثير لدى القارئ ، الباحث عن نص متميز متفرد ، و من الكتابة الأدبية الحديثة، ينهل اثراء للخبرة و التجربة ، متكلمة اختلاف الأنا اضافة نوعية ، ترجح الرصيد الفني تشذيبا يطال الفكرة و اللغة المنفتحتين على جديد الساحة الفكرية ، و ما تحفل به من دراسات تحليلية و تأويلية و تفكيكية و غيرها ، و كلها تروم عمق النص الذي سنعرج عليه قراءة تفكيكية .
    -قراءة تفكيكية للنص:
    وقفت قراءتنا للنص :الى أبي ، على كونه بنية من عدة مقاطع مترابطة فيما بينها ، على أساس وحدة كاملة لنص الإبداعي المؤثر ، واجلاء للأثر الغني، نتوقف عند كل مقطع على حدى، في ترابط فيما بين المقاطع وحدة معمارية جد متميزة .
    تبتدئ القصيدة في مقطعها الأول / 1-3 ، الشديد التوثر و هي اشد شوقا الى سكينة محتضنة تهب الاطمئنان الذي كان يجسده الأب و لا يزال، عبر استرجاع شريط الذكريات ، و قد تجدد اثر الشوق و تفجر الحلم : استرسال متوالية لا تخمد و لا تصدأ ، الى أبي ... الى أبي 
الى أبي 
اشتاقت أحداقي الى محياك ، ابي 
حلمت بك ظلا يناغي عتبة القمر 
و ركنا من سكينة ترتاح فيه خصلات شعري .
 اما المقطع الثاني /4-13، ففي شجن و اسى عميقين ، يتخلى مرغا عنه ، عن عالم الطفولة البهيج بألوانه و هداياه التي ترحل معنا العمر كله ، و هي الأنس في الوحدة و الزاد في الغربة القارسة ، و الزمن يلج ابوابا اخرى على مسار التيه المراكم للكثير من الأزهار و الأشواك ، اخذا و ردا يصقلان الإرادة و تربة الطموح و التحدي يخصبان في تدرج عمري و علمي وثقافي واجتماعي واكبها تخاتل الزمان و موجه بعيدا انداح و ثناياه أبي تكرار لذيذ، عميق الأثر في النفس و الأذن ، خاصة و ان أبي أخر صدى السطر ، يتقدمها ايقاع مكرور فاتن لم/اعد ... الموحية بالأسى و البعد الحسابي دون النفسي ، و ذلك باعتماد هرس اللغة و هسيسها تلبية شعور دافئ لدى الشاعرة الكبيرة مروضة اللغة تعابير و احاسيس  :
    لم أعد كما كنت  أبي 
    ...
    لم اعد تلك الفتاة بجديلة شقراء 
    ...
   مضى الزمان أبي .
    يتميز المقطع الثالث/ 14-22 ،بتوثر و انفعال قويين ، حتى و الذات تحتمي طالبة السكينة زاوية الأمس ، تجد نفسها من فقد الى فقد، تلافيف شعور تجلوه افعال ماضية حسمت جرحها: صرت – رميت - دحرجتها، و افعال مضارع مسترسل الحزن: تهب – تطوي.
    الملفت في المقطع الرابع /23-36، زخم التوتر المفضي الى الوقوف امام نافذة الانتظار لارتياد فرح و هناء التواجد ضمن اماكن سرت النفس غاية ما يكون السرور ، المتناوب و ترح الزمان و المكان الفاقدين لمعناهما بعد رحيل حامي الدار و اهلها ، فبرحيل الأب تعرف الحياة رجة قوية ، نحاول ان نتخطاها و نحن نتشبث بصدى الذكر و النقر على اوتار الابداع ، نسيجا ينثر ثقافة الاعتراف و تخفيف صدمة  افراد المجتمع و هم ينالون من رحيق الافكار المزهوة لحنا او لونا ، و الهدف من كل هذا ، الانتصار للحياة التي يجب ان تؤثت ايقاعا مغايرا ، كما هو الحال في المقطع متكلم الانا و شوق الانتظار ، الذي يرفض التأخر : 
    في ضيافة الشمس و العصافير فلا تتأخر
    و قبلها الكلمة الحلوة ذات النغم السحري: أبي. و كواسطة العقد مرة أخرى يطل فعل : عد بي: يردفه الى ، الى ،الى، طلبا للاشباع و الارتواء و الهروب من ادران العالم  و تهافته و ابتذاله .
    يتغنى المقطع الخامس/ 37-41 ،مزايا و صفات الأب ، نبرة تعجبية تنفي الشبيه و المثال ، و في نفس الأن الابريت الذي لا يتقادم ، و لا تمل الروح من تكرار سماعه ، الخفيف مخاطب الوجدان رنة رقيقة على اجنحة كم –كم – كنت –كنت  و انت- انت .عبقة ترفرف و تزقزق استرجاعا يهب القوة و الامل و اواصر المحبة و الذكرى حبلا متينا تضفر ، في استحضار الروح و تجوال زوايا الذكريات صرة الامس العطرة .
    في هذا المقطع الاخير / غذا و نوافذ الافق/ 42-49 ،تشرئب عيون الشاعرة الكبيرة سما سامي بغدادي الى افق الحلم في حوار صدحت به روح الاب على قثارة حبيبته مفتقة الكلم ، حيث  حلق الاثنان/ الثنائي المرح يدا في يد يسبقان تموج الاثير ، و عيونهما حب كبير و امل كبير بوهج نظارة الربيع و ازهاره:
    غدا يا صغيرتي ، سوف نذكر 
    ... 
    غدا سوف يأتي الربيع ليعانق السماء 
    فقط لنؤمن .. و ننظر 
    مواسم الحب 
    كيف تزهر

7- توضيح هدف الشاعرة :
  تروم الشاعرة الكبيرة سما سامي بغداي ، في قصيدتها الرائعة : الى ابي : الفراغ النفسي الذي خلفه غياب الاب ، و هو فراغ لم يفت الشاعرة ان تتوقف عند كل ملمح من ملامحه المتعددة و المختلفة ، سواء في الزمان او المكان و ما يحفلان به من مناسبات حفرت اخاديدها العميقة في النفس ، و هو ما يجعلها لا تبلى و لا اليها يتسرب النسيان ، و كيف للنسيان ان يخطو خطوته نحو اب حنون راق ، اشبع الوجدان و العاطفة ؟! مقابل هذا و غيره ، تشدو الشاعرة الرقيقة العرفان و الاحتضان و الحمى و الدفء و ثقافة الاعتراف، اجمل هدية من خير خلف لخير سلف .
8- استنباط النتائج :
يتميز نص : الى ابي . بشدوه المؤثر جدا ، و المتسرب الى شغاف القلب مند اللحظة الاولى ، مخلفا احساسا يخض المشاعر، سنده في ذلك تموج موسيقى تقطر شجنا و حزنا ، نسجا على توثر للغة شعرية مطواعة ، تنبض الم الفراق و وحشة الفراغ و قد ملأت الشاعرة المبدعة دوما صداه دفء اوراق الامس، و شذرات سير ذاتية و حوار يتطلع الى ابهى نوافذ الغد سبيل الانسان الى كل تتفتق جميل ، يهب الحياة الحب و فتنة الربيع .
                     محمد الكروي 25/02/2024

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بهرجة التّمنّي// بقلم . أ // جميلة مزرعاني

متأسف جدا // بقلم الأستاذ // فؤاد چاسب

تحليل ونقد لمقطع من القصيدة // وكان ذاك حبيبا // للشاعرة الأستاذة // نسرين صايغ // بقلم الأستاذ الشاعر والكاتب // علي محمد العبيدي