قلب النملة // بقلم الأستاذ // شاكر الحريري


#قصة طويلة واقعية لمن يهوى القراءة.
#بعنوان..

.. قلب النملة .. 
______________           

جِراحي أثقلت جسدي وانتشرت فيه كوباء معدٍ٠وآهاتي تناثرت وتشابكت حتى غدت كسهام جيوش العصور القديمة غطت بها وجه السماء والزمان٠في معركة شعواء بين جنون قادتها وحماقاتهم٠ هكذا أصبحتْ حياتي٠لم يبقى لي شيئا سوى الوجع والآه٠والألم والجراح٠ولم أعد أرى في الناس سوى الغدر واستغلال ضعف الآخرين٠ذئاب قد لبستْ وجوها بشرية٠أخفت خلفها ما أخفته من قباحة الطبع وموت الإنسان فيها٠كيف لا أرى هذا وأنا كنتُ من أضعف الضعفاء في هذا الزمن الضائع بين آهات المعذبين وتسلط الجاحدين٠كيف لا أرى ذلك وعذابي وضعفي قد خط أنهارا على خدي ٠ولم يورثني الزمان سوى رأسا مليئا بالذكريات المؤلمة عن زوجي السابق وتلك الأيام السعيدة و اليتيمةالتي عشتها معه ٠و لم تدم سوى برهة قصيرة من فترات الزمن ٠ربما كان أجمل مافيها طفلين هما الخيط الابيض الوحيد في سواد حياتي٠حتى هذا الخيط الأبيض في هكذا زمن الذي قد يعجز أقسى الرجال من التحايل عليه وتطويعه ٠فكيف إذا كانت امرأة!؟ ٠ هذا الخيط و هذا الأمل والفرحة المنشودة قد تصبح في لحظة من لحظات الزمن القاسية عبئا و وجعا آخر يضاف إلى مجموعة جراحاتي وآهاتي٠
،،،،،،،،،،،،،،،،
هل تعلم ؟

أرى أنه لم يبقى لي سواك في هذا الليل ٠أتحدث إليه وأشكيه حالي٠بل ربما لم يبقى لي سواك في هذا العالم بأسره ٠بعد أن تخلى عني حتى أقرب المقربين٠بعد أن تخلى عني من إذا قلت آخ سمعني وقال :أنا هنا٠أطلبي٠بعد أن تخلى عني من يواسيني حين أقول هذه الآخ (أخوتي)

هل علمتَ الآن لماذا أخبرتكَ لم يبقى لي سواك في هذا العالم المجنون٠لأنك دائما تسمعني وتحادثني دون أن تشتكي٠أو حتى ترمقني بنظرة المزعوج٠

آه يا كومبيوتري كم أحبك بعد أطفالي و(كندا)٠سامحني إن قلت لك بعدهم فأنا أحبك كثيرا يامن مسحت دمعتي في ليالي كثيرة٠أحبك ياصديقي٠ولكني أحب اطفالي أكثر من نفسي المتعبة٠و(كندا)٠آآه: حب حياتي وحلمها المنتظر٠

هل تعلم يا صديقي:لقد كذبتُ منذ قليل٠نعم كذبتُ وأعترف بذلك٠أخبرتكَ لم يبقى عندي سوى الآهات والجراح٠ولكني أملك أطفالي ضوء عيوني وفرحة قلبي ٠و(كندا) فأنا ربما لا أحبها لذاتها٠بل ربما أكرهها لأنها حضنتْ في أرضها من لم أستطع أن أحضنه أنا بين ذراعي٠ ذلك الحبيب الساكن فيها٠الغائب عني المتربع فوق عرش فؤادي وكياني وكل وجداني٠و هل أزيدكَ من الشِعر بيتاً٠أصبحتُ أغار من أرض كندا٠فقد صرتُ أراها المرأة الأخرى التي سرقت حبي مني وأحلامي٠لكني أيضا لن أنساكَ يا صديقي ٠فأنتَ الفرحة المجهولة المختبأة بين حنايا أصدقائي المجهولين عبرك٠

والأن ياصديقي بعد كل هذه الكلمات التي دارت بين عيوني وشاشتكَ الزرقاء التي لونتها٠بلون البحر الذي يوصلني إلى أرض كندا٠وبعد كل هذه العبرات والشهقات بين روحي المعذبة ولوحتكَ السوداء كسواد أيامي٠وبعد تعب أرهق يومي وأرهق جسمي الهزيل أكثر٠حان وقتي لأقابل بقايا الأصدقاء المجهولين داخل شبكتكَ والتي أبقت الدنيا عليهم٠وربما أشاهد حبيبي الساكن في كندا، وأرمي آهاتي وأشجاني على أسوار عقله وبين حنايا ضلوعه٠

لحظة واحدة فقط٠حتى أعرف لمن هذه الرسالة التي أتتني٠نعم إنها لهذا الشاب الذي لم يكل أو يمل حتى الآن منذ أكثر من شهر٠بصراحة لم يعجبني كلامه حين تحدثت معه في المرة الأولى٠وبعبارة أوضح ليس عندي ماكان قد طلبه ولا أملكه٠نعم لقد طلب مني أن أمنحه قلبي وأبادله مشاعر الحب التي أخبرني أنه يكنها لي منذ اللحظة الأولى٠لدى رؤيته لأسمي الذي أعجبه وأحبني من خلاله٠نعم طلب قلبي وما درى أنه لم يعد لدي قلب ٠لم يعد عندي سوى هذه العضلة الحمراء التي لم يعد همها سوى ضخ دمائي المثقلة بنزيف جراحي إلى رأسي الموجوع بأفكاره وأحزاني٠وإلى أطرافي النحيلة التي سخرتها للطبخ والغسيل وتنظيف الأواني٠إن كان في البيت أو في عملي بمطعمي الجاثم على أحد طرفي شارع من شوارع السويد المنسية٠مطعمي المتواضع بحجمه وعمله ٠الكبير والكبير جدا بخسارته و همه في رأسي٠نعم مادرى هذا الشاب أن الجزء البسيط المتبقي في قلبي قد أصبح سجينا ومفتاح سجنه قابع في كندا٠

٠٠٠٠٠٠٠٠

لا أدري ماذا أقول٠وحال من أرثي٠أأقول مسكين هذا الشاب ٠قد شاهد سرابا ولاحقه دون نتيجة٠فلم أعرف أحدا أمسك يوما سرابا بين يديه٠ولم أقرأ عن سراب قد روى عطش تائه وسط الصحراء٠

أم أرثي حالي وأفكاري التائهة منذ أسبوع٠إذ لم أتحدث مع حبيبي الجاثم في كندا ولا أدري ما السر في غيابه عني وعدم مكالمتي بالهاتف أو حتى بواسطة (النت)٠أصبحت أسافر بأفكاري خلف المجهول علني أعرف السبب في ذلك٠سمعت سابقا عن ضياع لندن وسط ضبابها٠لكني اليوم تهت بين أفكاري وضعت في ضبابها المتشابك الذي تعدى ضباب لندن٠

تارة أقول٠ربما مرضه اشتد عليه ورقد في المشفى ٠فقد أتعبت هذه الأيام قلبه٠وتارة أنفض هذه الفكرة عن سجادة أفكاري وأقول ربما قد سافر في عمل٠وتارة تضرب رأسي وتهز كياني كله فكرة كأنها صاعقة إصطدمت بشجرة قديمة قد أرهقتها سنواتها الطويلة وأحرقتها٠أقول لنفسي هل قل اهتمامه بي٠هل يحاول نسياني كما نسيني الجميع٠هل صادف فتاة أجمل وأصغر من سنيني الثامنة والأربعون ٠التي أثقلها الزمن ولم ترحمها تلك السنين القاسية التي سرقت من عمري ريعان شبابه ٠ونضارة وجهي٠ أعود وأنفض هذه الأفكار التي بمجرد تفكيري بها وذكرها قد غير لوني٠وأزعجني وأحرق بقايا أعصابي٠أقنع نفسي بالأمل وأقول:غدا سيتكلم معي ويخبرني بسبب آخر لم يخطر لي ولم يداعب أفكاري ٠شيئ آخر جميل لم أستطع أن أتذكره٠لأنني نسيت الأشياء الجميلة٠أو هذا ما أرجوه أنا٠ أن يكون السبب في انقطاعه عني جميل٠

٠٠٠٠

( الحب كذبة إتفق عليها إثنان )

ماهذه العبارة التي جعلتني ألتفت إليها وأقرأها٠وابتعد عن تحليلي لأسباب غياب حبيبي وانقطاعه عن محادثتي٠

من هذا الشخص الذي لم أعرفه قبل الآن٠من هذا الشخص الذي لم أعرفه حتى الآن٠إلا بعد أن قرأت هذه الجملة التي رماها فوق شاشة صديقي ٠فطرق بها ومن خلالها أبواب قلبي وحطم بحروف كلماتها جدران عقلي٠ (الحب كذبة)؟! كيف يكون الحب كذبة ٠فلو كان كذبة ٠ماذا أقول عن كندا٠أأقول أنه كذبة أيضا٠بل ماذا أقول عن نفسي٠أني كنت مجرد كذبة وأحببت كذبة أخرى٠بل أقول أن ماجمعني بكندا هذا الحب٠هو مجرد كذبة٠

شاهدت الحب في هذه الجملة ولأول مرة كأنه فقد براءته٠شاهدته للمرة الأولى وقد تعرى من قيمه ومفهومه اللامادي٠شاهدته للمرة الأولى وقد تحول لكذبة من كذبات نيسان الكثيرة المضحكة٠ولكنه للأسف إن كان الحب كذبة فلن تكون مضحكة٠بل مؤلمة وأشد الإيلام٠ومبكية لكل من أفنو حياتهم في مطاردته٠

¤¤¤¤¤¤

في هذه اللحظة بالذات شعرتُ بأن الزمن قد توقف٠شعرت به قد تجمد في مكانه ساكنا بلا حراك٠ أصبح كأنه جثة هامدة خاوية من كل شيئ سوا سكون الموت وبرودته٠ لم يعد هناك وجود للساعات والأيام٠حتى الثواني لم تعد تنبض بالحياة والحركة كما كانت قبل قليل٠ إختلطت في هذه اللحظة معاني الزمن المتحرك وتعابيره٠ بالموت الساكن المشلول٠تماما كما إختلطت مشاعري كلها وأفكاري مع بعضها ٠وتشابكت كشبكة عنكبوت في زاوية مضلمة معتمة في أعماق أعماق نفسي وكياني٠

لقد أوقدت هذه الجملة التي طرقت مسامعي وهزت مشاعري منذ قرأتها٠أوقدت وأشعلت في نفسي أشياء وأشياء٠توقفت عن التفكير كما توقف الزمن عن الحياة٠رفعت رأسي إلى الاعلى٠رفعته إلى السماء المتربعة فوق سقف غرفتي الجالسة فيها٠أغمضت عينيا٠وأمسكت بشعري ٠وصرخت في أعماق أعماقي التائهة٠(يا الله)

يا الله ما الذي أصابني٠لماذا أصابني (الخرس الفكري)٠حتى غابت عني الكلمات جميعها٠وأصبحت كأني فتاة في الثانية من عمرها تحاول أن تذكر أول كلمات نطق بها لسانها٠وترجو أحدا بجوارها عله يهمس أمامها بحرف حتى تقلده٠عندها جاء من ينقذني من هذا الضياع بين أفكاري المشلولة وعواطفي التي تحجرت ٠وسمعت صوت ملاكي المنقذ ٠وسمعت صوت من كان حزني وخوفي نصفه لأجلها٠إن لم يكن أكثر ٠سمعت صوت ضوء عيوني ٠ابنتي نور تنادي بقايا والدتها لتعطيها حقنتها المعتادة منذ سنين٠فمرض السكري لم يترحم بها كونها طفلة في الثانية عشر من عمرها٠بل لم يرحمها منذ أن أصابها وهي في سنينها الأولى قبل ذلك٠ولكن كان قضاء الله وقدره علينا و يجب أن نتقبله بالحمد والشكر٠

مرة ثانية أسمع صوتها وأنا أهم بحمل أطرافي المرهقة والمتعبة وأنسل خارجة من غرفتي باتجاهها وقد أخذت بيدي حقنتها ٠

و ها أنا أقف أمامها في غرفتها وأرسم بسمة ناعمة على شفاهي المرتجفة٠وقلبي يفطر دمعا ودما لأجلها٠قلبي يبكيها ويبكي على نفسي٠أبكي على عجزي وقلة حيلتي٠ليس بيدي شيئ لأساعدها٠سوى هذه الحقنة وعلب الدواء التي كرهتها أنا أكثر من كرهها هي لها ٠وبسرعة أعطيها حقنتها بعد أن أصبحتُ أمهر من طبيب لكثرة ما أعطيتها خلال السنين الماضية ٠وأرمي بالحقنة القديمة جانبا وأضع ابنتي في حضني٠أضمها وأشمها وأقبل جبينها الصغير المتلألأ تحت ضوء غرفتها الخافت٠تمضي الدقائق القليلة وأنا أضمها بين ذراعي

٠لا أشعر بمرور هذه الدقائق إلا بعد سماعي تنهيدة من نور٠كانت قد نامت وسافرت في دنيا الاحلام والخيال٠نامت بعد أن قالت:أمي أحبك٠ولكني عندما أكبر سأسافر إلى أمريكا وأدرس فيها وربما أعيش هناك٠جاوبتها بإيماءة من رأسي ٠(حين تكبري)

الأن وقد نامت نور ٠نام معها أيضا جزأ من خوفي وقلقي٠ ورجعت هائمة على وجهي إلى غرفتي٠لم أشعر بالخطوات التي مشيتها إليها لسببين٠أولهما تعب جسدي وقدمي اللتين تمضيان أغلب يومهما واقفة في عملها٠في مطعمي التعيس كتعاستي ٠والسبب الثاني :ما ينتظرني على شاشة الكومبيوتر٠ وفي اللحظة ذاتها التي دخلت فيها غرفتي وعندما أغلقت بابها وجدت الحل الذي كنت أنتظره ٠وعثرت على الإجابة في واحد من أقدم الأمثال الشعبية المعروفة٠

(الباب الذي يأتيك منه الريح أغلقه واستريح )

وفعلا إتخذت قراري لنهاية يوم آخر من أيام حياتي٠واقتربت من جهاز الكومبيوتر٠وأطفأته لأُسكتَ معه بعض الكلمات التي تحتاج لشخص في نشاطه الكامل حتى يستطيع مناقشتها والحديث فيها٠فقد تأخر الوقت٠والتعب قد أسدل ستارته على أهدابي٠والحديث في هذه الكلمات قد يطول٠ وغدا يوم جديد٠ومن يعلم ماذا يحصل فيه ٠قلت هذه الجملة بأجفاني المغلقة وأنا داخل فراشي٠وغطائي بنى أسواره حولي مبعدا عني برد (السويد)الشديد٠ وربما ليخلصني من لحظات الزمن المتوقفة عندما قرأت تلك الكلمات٠وكان النوم أفضل وسيلة للهروب٠قبل الموت٠ كما كان النوم أيضا خير صديق يحميك من التعب والإرهاق ٠

لا أدري كيف مرت ساعات نومي القليلة٠المثقلة بالأحلام الباكية٠حتى نومي أصبح كدوَّامة تعصف بي ٠ تحملني بين حلقاتها التي ضاقت عليَّ أكثر فأكثر٠أهرب من حلقات هذه الدوَّامة وأستيقظ كل فترة لدقائق بعد أن نمت أقل من ساعة٠ثم أنام من جديد٠وهكذا أستمر في نومي لتلك الساعات القليلة التي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة٠

وأخيرا شاهدت الشمس الخجولة الواقفة في كبد السماء٠شاهدت أشعتها الهاربة من خلف الغيوم٠ رأيتها كيف تتسلل عبرها لتضيئ من خلالها أرض (السويد) بهذا النور الشاحب ٠المتسلل عبر زجاج نافذة القطار الذي يقلني إلى عملي٠

#########


لم يقتصر هذا الشحوب على ضوء الشمس وخيوط أشعتها٠بل شاهدته أيضا قد انعكس في وجوه البشر المتناثرة من حولي٠الجالسة بجوار بعضها بأجسامها المادية٠ الهائمة بأفكارها٠ مبتعدة عن بعضها مسافات ومسافات٠لكل شخص منهم شأن يغنيه٠ولكن سرعان ما يتحول هذا الهدوء ٠الساكن تلك الوجوه والأجساد المترامية على مقاعدها في متن القطار٠إلى موجة عالية مشبعة بالحركة والقوة٠في اللحظة التي يعلن القطار فيها٠وصوله إلى محطتنا النهائية٠عند انفتاح أبوابه لينتشر من خلالها الركاب مبتعدين في كل اتجاه ٠كلا حسب وجهته وغايته٠كخلية نحل بدأت رحلة بحثها عن حقل زهور و ورود ومرج تجد فيه مبتغاها٠وأنا بدوري أدخل مطعمي بعد أن قطعت تلك الخطوات التي تفصل بينه وبين محطة القطار٠

أدخل المطعم لأشاهد ذات الوجوه التي اعتدت مشاهدتها كل يوم فيه٠ألقي بالتحية على أختي التي جاءت قبلي إلى العمل وأقبِّل ابني الذي لم أشاهده عند خروجه من المنزل٠وهو في طريقه إلى عمله هنا٠والذي بدأه معي منذ سنتين حين كان في الثامنة عشر من عمره٠أطمئِن على العاملتين الباقيتين٠وأتجه إلى المطبخ كما أفعل كل يوم٠لأتأكد من أن كل شيئ في أفضل أحواله٠

في السابق كنت أشعر بالسعادة لدى دخولي المطعم٠و مشاهدة الطاولات الممتلئة بالزبائن٠والتي غدت في هذه الأيام ومنذ أشهر طويلة٠خاوية على عروشها٠أصبحت كأنها ملك بلا مملكة٠غدت كأنها سماء بلا نجوم في ليلة من ليالي الصيف الصافية المتلألأة٠إلا في حالات نادرة وقليلة حين يأتي القلة القليلة من الأشخاص الذين دخلو لارتشاف فنجان قهوة أو كوب شاي وفي أحسن الأحوال٠لتناول وجبة طعام سريعة والانصراف بسرعة أكبر٠كالحلم الجميل الذي ما أن تبدأ بمشاهدته سرعان ما ينتهي٠ويهرب بعيدا عنك٠

لم أستطع أن أتخيل في يوم من الأيام ٠أو أتصور في أسوأ الأحوال أن يصبح عملي بهذا السوء٠فقد كنتُ سابقا أتمنى الحصول في عملي ووظيفتي في الطبخ وخدمة الزبائن ٠على قليل من دقائق هذا الزمن المتحركة

لأستريح قليلا٠والآن وبعد الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد ٠ورمت بضلالها على أكثرية البشر الموجودين هنا٠أصبح وقتي ضائعا بين التجول في أقسام هذا المطعم ٠تارة في المطبخ وتارة أخرى بين الطاولات الفارغة٠إلا في أحيان قليلة٠وتارة خلف مكتب المحاسبة٠لا أستطيع البقاء في مكان واحد ثابت٠وكأنني أبحث عن شيئ قد ضاع مني في غفلة من الزمان٠وكثيرة هي الأشياء التي أضعتها٠والهاربة مني في زحمة أيامي المنكوبة ٠المدموغة بختم الخسارة والخسران٠أشرد بأفكاري وسط المجهول٠لا أدري ما الذي أفكر فيه٠لا أعلم عما أبحث عنه لكي أجده٠فمنذ زمن أصبحت أشعر بأني صرت مجرد جسد هائم بلا روح٠صرت أرى نفسي بقايا أنثى منكسرة٠فقدتْ كل شيئ حتى نفسها٠إحساسها تجمد وانعدم ٠مشاعرها غدت أقسى من صخرة بركانية سوداء٠أفكارها معقدة٠كأنها كتابة فرعونية٠أمام عيني شخص لا يَعيْ ماهي (الهيروغليفية )٠

§§§§§§§§§§§§

أسافر بأفكاري الشاردة هنا و هناك٠أحلق معها٠وأحلق فيها٠وأحلق عبرها٠بل أحلق وأجري خلفها في محاولة مني للإمساك بواحدة من هذه الأفكار العديدة الهاربة ٠والتفكر فيها ٠أفعل هذا وأنا أبتسم هذه الابتسامات المصطنعة حين أشاهد ابني٠وأختي والعاملات معي٠ولا يعيدني إلى دنيا الواقع سوى صوت هاتفي المحمول ٠الذي أيقظ حاسة سمعي٠ نبهني بصوت نغمته بوجود شخص يريد التحدث معي٠فجأة وفي لحظة واحدة لم أشعر كيف مرَّت وكيف حوَلتْ ملامح وجهي٠وبدَّلتْ تلك الإبتسامات المصطنعة٠إلى ابتسامة وردية بلون أزهار الربيع٠ابتسامة ضاحكة تعكس الفرح القليل المتبقي في قلبي الموجوع٠نعم إنه هذا الصوت الذي اشتقت إليه منذ أكثر من أسبوع٠شاهدت اسم حبيبي في( كندا )مكتوب على شاشة هاتفي المحمول٠وشاهدت صورة من يسكن (كندا) ٠شاهدت صاحب الاسم المكتوب٠شاهدت صورته في عيني وخيالي٠شاهدته كأنه جالس أمامي في هذه اللحظة٠وسمعت صوته قبل أن أفتح الهاتف وأجيبه حتى٠لم أعرف كيف سأتكلم معه٠هل أجعله يشعر بأني غاضبة منه بسبب هذا الغياب لأكثر من أسبوع٠أم أتجاهل إتصاله ولا أتكلم معه حتى يشعر بهذا الغضب٠أو أتصرف بشكل طبيعي وأتحدث معه وبعدها أسأله لماذا هذا الغياب٠ أو ربما أتصرف ببساطة كأية أنثى عاشقة٠أنسى غضبي وانزعاجي واجعل قلبي يحدثه٠ولكن المرأة حين تعشق تختلط جميع هذه المشاعر والأحاسيس ببعضها البعض٠وتصبح كلاً واحداً لافرق بين مشاعر الغضب والانزعاج٠ومشاعر الحب والاشتياق٠هذا هو العشق الذي أشعر به٠وهذا هو الحب الذي أعيشه في كل ذرة من ذرات جسدي وروحي٠هذا هو معنى الحب الذي تجسد لديَّ عبر سنين حياتي الماضية٠ببساطة أمسكتُ هاتفي وتكلمت معه٠تاركة كل شيئ يحدث بدون تخطيط أو تفكير٠تركتُ نفسي كقطعة خشب قديمة مهترأة من بقايا سفينة٠ غرقت في أعماق البحر والتاريخ٠وأنا تركت نفسي للأمواج تقذفني كيف شاءت وتحملني حيث أرادت٠تحدثتُ معه ٠وتحدثتُ إليه٠وسمعت كلماته المنمَّقة المزركشة المعتادة٠وكنت أتمنى أن ينسى جميع كلماته هذه ٠التي لم تجعل لكلمة أحبكِ أو اشتقتُ إليكِ٠إلا حيزا صغيرا بين زواياها في إحدى فسحات الزمن الهارب٠يقولها على استحياء في فترات قليلة متباعدة نادرة٠وكأنها ظاهرة طبيعية لا تتكرر إلا في أوقات معينة بعيدة٠أو في صدفة أو غفلة من الزمن٠كأنها كسوف أو خسوف كلي للشمس والقمر٠

للمرة الأولى خلال علاقة حبي معه تخرج مخاوفي الدفينة وأشاهدها أمامي بشكلها المجرد٠ربما تذكرت تلك الكلمات التي قرأتها البارحة عن الحب ٠وكيف أنه بأمكانه أن يكون كذبة إتفق عليها اثنان٠لم أعد أستمع لكلامه وحديثه معي٠تحولت كلماته في أذني أصوات صرير أبواب يتلاعب فيها الهواء كيف يشاء٠في واحد من المنازل القديمة المهجورة الفارغة من كل شيئ٠سوى صفير الذكريات وأنين وحنين الأيام الماضيات٠

حدثته وعقلي تتقاذفه و تتلاعب به كلمات هذه الجملة ٠كأنه كرة تقذفها أقدام الرجال القاسية٠التي لا ترحمها وتترفق بها٠ أصبحت أفكر فيها بشكل أكبر٠وأحاول أن أقارنها بعلاقة حبي مع كندا٠إن كانت فعلا صحيحة٠أو أنها مجرد نظرية أخرى في حياة الإنسان قد أثبت الحب فشلها٠

ومضت هذه الدقائق ولم أعرف بما أحسست٠فلم يكن شعوري بالفرح كما كنت أرجو٠كما لم أشعر بالغضب أو الانزعاج٠لا أعلم بما أحسست بعد أن انتهت المكالمة٠ربما كان أقرب شعور لامس أفكاري٠هو شعوري بالضياع٠خصوصا بعد كلماته واعتذاره عن عدم مكالمتي طوال هذه المدة الماضية٠أعذاره التي قدمها٠والتي كعادتي لم أقتنع بها أو أجد لها تفسيرا منطقيا٠هذه المرة شعرت بحسرة ومرارة٠عندما قارنت نفسي بمرضاه الذين يعالجهم٠ويحدثهم في عيادته النفسية٠لم أشعر به كحبيب٠لم أعد أراه في هذه اللحظة كعشيق٠لم أغمض عينيا وأراه حلمي الوردي٠ربما كان السبب في شعوري هذا وإحساسي الثائر عليه وعلى نفسي وعلى العالم أجمع٠أني لم أسمع منه ماتحب جميع النساء العاشقات سماعه ٠لم أسمعه يقول لي٠اشتقتُ لكِ كثيرا٠لم أسمعه يقول أحبكِ كثيرا٠ولم أسمعه يكرر هذه الكلمة مرارا وتكرارا٠لم أشعر بجنون الحب يحرك كلماته ويتلاعب بي ويحرك مشاعري معها٠لم تحملني كلماته كإعصار وتجرفني بعيدا وراء الأفق٠كانت كلمات عادية٠ اعتذار و اختلاق مبررات لمواقفه ٠لم تكن كلمات عاشق مشتاق٠بقدر ماكانت إختلاق الأعذار٠لم أستطع أن أتخيل في هذه اللحظات كيف يعالج مرضاه بكلامه معهم و نصائحه لهم٠وتفهمه لمشاعرهم وأحاسيسهم وحاجاتهم جميعها٠في اللحظة ذاتها التي بقي فيها عاجزا عن ملامسة عواطفي٠سألت نفسي لماذا يعاملني باهتمام أقل مما يعامل به مرضاه حتى٠لماذا لم يستطع أن يفهم مشاعري ولم يُسمعني ما أحتاج لسماعه٠لكي يعطيني جرعة بسيطة من الأمل لمتابعة حياتي الخاوية٠لماذا لم يفعل ذلك و هو العاشق لي٠ وهو الطبيب النفسي المتمرس٠والخبير في مثل هذه الأمور أكثر من غيره٠ولماذا لم يتجرد بكل بساطة من كل تعقيدات الحياة التي يعالجها بنفسه٠ويعرفها بشكل كامل٠لماذا لم يتصرف معي بعفوية العشاق وجنونهم

ولماذا يفكر كثيرا بجميع كلماته وهمساته حين يكلمني٠وفي اللحظة التي تكلم بها معي٠نطق بكلمات وكأنه لا يفقه بأبجدية الحب شيئا٠

¤¤¤¤¤

حزنتُ عليه أكثر مما حزنتُ على نفسي٠وأشفقتُ عليه٠لأني شاهدته ضعيفا أمام بعض العواطف ٠التي استطاعت أن تُخرس لسانه عن الكلام في الحب٠كما استطاعت أن تسجن قلبه وتبقيه أسيرا لدى عقله وبعض الأفكار المتكلفة البالية٠

سألت نفسي٠لما لا يستطيع أن يكون عاشقا مجنونا معي٠كما هو هذا الشاب الذي تلاعب أصابعه شعر حبيبته الجالسة بجواره٠على هذه الطاولة المركونة في إحدى زوايا مطعمي٠فلم يطلب سوى فنجاني قهوة وقطعتين من الكعك٠رغم ذلك قد نسي هو وحبيبته الجالسة بجواره القهوةوقطع الكعك٠بل نسيا العالم بأسره وأصبحا يحدقان ببعضهما٠ وأعينهما تتحدثان معا بلغة خاصة٠لا يفهمها إلا من كان هائما في عالم آخر ٠عالم الأحلام المستقبلية والخيال الذي من المفترض أن لا يكون إلا جميلا٠وشفتاهما تتحركان وقد ارتسمت عليهما فرحة وبسمة تعكس ما يحويه قلباهما من فرح وأمل٠وكأنهما فراشتان تتراقصان فوق أزهار ربيع غطى الأرض وكساها بألوانه التي لا تحصى ولا تُعد٠بعد فترة عاشتها جرداء قاحلة خاوية من مظاهر الفرح والبهجة٠

في هذه اللحظة فقط٠أيقنتُ الحقيقة المريرة الماكثة في قصة حبي هذه٠أدركت كيف يمكن أن يصبح الحب كذبة بين شخصين ٠لم يستطيعا أن يمنحانه الإهتمام والتضحية وجنونه الخاص به٠أو على الأقل شخص واحد منهما لم يستطع أن يتعامل مع الحب٠كما ينبغي التعامل معه٠وكأنه سرب فراشات متعدد الألوان والأشكال٠يحلق في كل اتجاه٠يحتاج لمن يروضه٠هذا إن استطاع الامساك بواحدة منها٠هكذا هو الحب الذي بقي حبيبي عاجزا عن فهمه بهذه الطريقة٠وربما يصبح عجزه هذا عن فهمه ومعرفته السبب الأول٠في هروبه وابتعاده عنه٠ليصبح كذبة أخرى في تاريخ أيامنا ومشاعرنا٠أنا وهو معا٠

وتتلاشى هذه الأفكار المسيطرة على رأسي٠تدريجيا مع انقضاء ساعات عملي٠واقتراب موعد إغلاق مطعمي٠والعودة إلى بيتي٠كما هو حالي في كل يوم٠من مثيلاته السابقات٠

انتهي من تنظيف المطعم٠بعد أن كنت قد أطفأت جميع الأجهزة فيه٠وتأكدت من أن كل مافيه سكن ونام٠وخاصة الفرن٠والأجهزة التي يمكن أن تسبب حريقا لم يكن في الحسبان٠

أعود أدراجي إلى بيتي مع جسم أرهقته ساعات النهار٠وعقل لم يهدأ في الليل حتى ينام في النهار٠أحمل نفسي وأمشي تلك الخطوات المعتادة المعدودة بين مطعمي ومحطة القطار٠أصل مكان الانتظار وأجلس على أحد مقاعد المحطة٠منتظرة موت هذه الدقائق العشرة التي بمجرد لحظة زوالها وانقضائها٠ يصل القطار ليعيدني كما أحضرني إلى منزلي الذي سبقني إليه إبني من قبلي بساعات قليلة٠

وبينما أنا جالسة انتظر وصول القطار٠يتراكض أمامي مجموعة من الصبية والصبايا٠أعمارهم في بداية العشرين٠وقد بدت على وجوههم وحركاتهم علامات السكر والثمالة ٠وتحرر عقولهم من حظور المنطق والاتزان٠رامية إياه خلف ساعات اليوم التي ذهبت وولت بغير رجعة٠مستبدلة به بعض الصيحات والصرخات العفوية والمفاجئة٠وفي أحيان كثيرة ضحكات عالية مرتفعة٠يدوي صداها أرجاء قاعة الإنتظار٠ضحكت معهم٠وربما ضحكت عليهم وعلى تصرفاتهم المتحررة٠والتي لا تعير هذا العالم أي إعتبار٠ضحكت ضحكات كثيرة في داخلي٠لم تخرج ولو همسة واحدة منها إلى خارج جسدي٠واكتفت ضحكاتي الداخلية بالظهور فقط على شفاهي كابتسامة بسيطة ارتسمت فوقها٠حين نظر إلي بعض هؤلاء الشباب وهم يضحكون٠فبادلتهم ضحكاتهم بابتسامة بسيطة٠

فجأة تختلط أصوات ضحكاتهم وتضيع٠في اللحظة التي يصل بها القطار٠ويطغى صوته على أصوات ضحكاتهم٠تنفتح أبوابه فيختلط الحابل بالنابل٠أناس يخرجون من داخله٠وأنا و معي أشخاص أخرين ندخل إليه ونركب فيه٠ينطلق فينا بهدوء متسارع ٠وفي داخله أناس كثيرون٠وغاياتهم وأهدافهم كثيرة بعددهم جميعا٠فمنهم أنا ومن كان مثلي عائدا إلى منزله ليرتاح٠بعد أن أنهى يوما طويلا في عمله٠ومنهم من يذهب ليبدأ عمله الآن٠ومنهم أمثال أولئك الشباب السكارى٠والذين ربما هم ذاهبون ليكملو ليلتهم في حانة أخرى٠أو نادي للرقص مختلف عن الذي كانوا فيه٠

دخلت منزلي بعد أن مضت دقائق رحلتي الثلاثين٠واتجهت مباشرة لأطمئن على ابنتي٠وأتأكد من صحتها وأنها تناولت دوائها٠فيما سمعت صوت ابني مع صوت قرقعة أواني الطبخ في المطبخ٠كان منهمكا في إعداد طعام العشاء٠لم أدخل المطبخ٠وإنما صحت عليه لأخبره بأني قد عدت٠وأنا في طريقي إلى غرفتي٠كنت مسرعة لكي أخذ دوشا سريعا يريحني من تعب يومي٠وأتوضأ بعدها حتى أصلي صلاتي التي كان وقتها قد حان وأنا في طريق العودة٠

إنها المرة الأولى هذا اليوم٠وفي كل يوم تقريبا التي نجتمع فيها أنا وأبنائي معا في وقت واحد٠وقد أصبح هذا الشيئ روتينا وعادة يومية منذ بضع سنين٠تحديدا منذ طلاقي و مغادرة زوجي السابق المنزل وسفره٠فابنتي تذهب باكرا إلى مدرستها التي يقلها إليه باصها٠وبعد أن أودعها٠أعود لأنام قليلا ٠فيما يذهب ولدي إلى المطعم٠وأحيانا كثيرة لا أراه حين يذهب٠وأنا ألحق به إلى العمل بعد مضي ساعات قليلة٠

أصبح العشاء وكأنه لحظات جميلة نسرقها من هذا الزمن٠

تحول هذا الاجتماع بأبنائي فرحة أختلسها وأسرقها من هذا العالم المادي المتحرك والذي لا يرحم أحدا٠أصبح فسحة صغيرة في زحمة تعقيدات الحياة وسعينا الدائم خلفها لنستطيع أن نعيشها رغم مافيها من آلام ومآسي٠فأوجاعنا في هذه الدنيا قد كثرت و تنوعت٠وأصبحت كأنها جرثومة أو فايروس بدأ بواحد وأصبح بعد لحظات من انشطاره وتكاثره ملايين وأكثر٠

هذه الدنيا التي حولت مشاكلنا لكثرتها فيها وما أكثرها من مشاكل٠إلى آهات منسية٠

سمعت دقات جرس الساعة يخبرني بأن الليل قد انتصف٠وأني بدأت أعيش في ضيافة الدقيقة الأولى بعد الساعة الثانية عشرة ليلا٠وهو الوقت المعتاد الذي أقابل فيه صديقي الوحيد٠الذي أثق فيه بشكل مطلق رغم أني لا أثق كثيرا بجميع من أكلمهم من خلاله من البشر٠فهو جهاز مادي خالي من الرغبات والشهوات والعواطف التي غالبا ما تتحول إلى عواطف ومشاعر زائفة وخادعة في سبيل الوصول إلى غاية أو هدف ما٠فهو جهاز لا يعرف الكذب والمجاملة وإخفاء الحقائق والطعن في ظهورنا٠كما هو حال معظم البشر ممن يستخدمونه٠

جلست أمام كومبيوتري في غرفة كنت قد حولتها إلى مكتب صغير٠لا يحوي أشياء كثيرة سوى بضعة كتب أحب قرائتها بين الحين والآخر ٠بينما يحوي الكثير من الفواتير والأوراق الخاصة بعملي في المطعم والتي تضم في سطورها أرقام كثيرة واجبة الدفع بأوراق مالية لا أملك منها إلا أقل القليل٠تناثرت هذه الفواتير هنا و هناك٠أشاهدها حيثما أنظر في كل اتجاه٠وما يشغلني و يقلقني أكثر٠ أنه يجب علي أن افتحها وأقرأها وأحاول معرفة كيف سأتمكن من دفع ما تحويه من أشياء لا أملكها٠

أجمع وأطرح وأقسم وأضرب٠أقوم بجميع العمليات الحسابية التي حفظتها وعرفتها في سنيني الدراسية الأولى٠حيث لم تدم أطول وأبعد من المرحلة الثانوية والتي لم أتجاوزها بخطوة واحدة٠وبعد تلك العمليات الحسابية أصل إلى نتيجتين معتادتين بشكل دائم٠النتيجة الأولى كامنة بين حروف وأرقام هذه الفواتير المستحقة الدفع٠وهي أموال الضرائب الكثيرة التي لا أملك منها شيئا٠والنتيجة الثانية٠هي ألم شديد في رأسي من رؤية هذه الأرقام وتخيلي لما سيحدث إذا لم أدفعها٠

تحظنني ابنتي نور من خلف ظهري٠وترمي برأسها الصغير على عنقي٠تتحدث معي قليلا عن يومها في المدرسة٠وتضحك ببراءة الأطفال على أشياء لا تستحق الضحك منها٠تفعل هذا وهي تنظر إلى الأوراق التي بين يدي٠ولا تفهم مافيها٠ولايعنيها أو تهتم بما تحويه٠أبادلها تلك الضحكات والابتسامات والكلمات البسيطة٠أمضي معها هذه اللحظات العفوية قبل أن تودعني وتذهب إلى غرفتها لكي تنام٠وتتركني لوحدي فقط مع كومبيوتري وتلك الأوراق الملونة٠بالأصفر والأخضر والزهري٠كل لون منها حسب جهة الضريبة المختصة بها٠

أنفض غبار تلك الأرقام عن رأسي٠وأحاول ألا أفكر فيها لبضع لحظات٠عله يخف ألم رأسي قليلا ٠وأكتب اسم زهرة الميسون٠لكي أفتح بريدي الالكتروني٠والذي سميته باسمي (ميسون)

وأكتب بسرعة حروف وأرقام كلمة السر ومفتاح الدخول إلى المجهول القابع خلفه٠

@@@@@@@@

أشاهد من كان الحب في حياته كذبة٠ويتملكني شعوري بالفضول لمعرفة هذا الشخص٠والتعرف به واكتشاف المجهول المختبئ في أعماق كلماته تلك٠أحادثه بضع كلمات أحاول من خلالها التعرف به أكثر٠وأن أفهم كيف يفكر وطريقته في الكلام٠ميوله وأفكاره وأسلوبه٠أحاول معرفة من هذا الشخص المجهول الذي أتكلم معه٠تحدث معي كثيرا وشعرت بأن كلماته التي لم ينطقها وبقيت سجينة أفكاره وعقله أكثر وأكثر٠أحسست في لحظات بأنه شخص حقود لئيم٠وشعرت في كلمات أخرى قالها بأنه يائس مسكين٠وفي بعض الكلمات والجمل التي هربت من لسانه٠وارتسمت حروفا بين أصابعه على شاشة الكومبيوتر٠لا أدري من خلالها كيف أحسست بأنه يشبهني كثيرا٠بطريقة ما أجهلها٠ولكني شعرت بأني أتحدث مع نفسي من خلاله بصوت مرتفع٠

تاريخ هذا اليوم هو الخامس عشر من شهر كانون الأول في العام ألفين وإحدى عشر٠بالطبع إنه ليس اليوم الذي يصادف تاريخ ميلادي ولا أتذكره وأذكره لهذا السبب٠إنه اليوم الذي تحدثت فيه مع هذا الشخص٠وقد أصبح حفظ تاريخ حديثي الأول مع أي شخص عادة لدي منذ سنوات٠لأرى كم يلزمني من وقت لاحق حتى أثق بهذا الشخص الغريب٠هذا إذا استمر الكلام متبادلا بيننا٠وأصبحت الصداقة بيننا أمرا واقعا٠

٠٠٠٠٠٠

تمضي أيام حياتي وشهورها المتلاحقة٠يوما بعد يوم ٠وساعات أيامي هذه أصبحت أكثر بطئا ومثقلة بالمصائب والمشاكل بجميع ألوانها و أشكالها٠حتى غدا هذا الحريق الصغير٠الذي تفاجأت به في مطعمي٠والتهم منه أجزاء صغيرة طامة كبرى٠رغم حذري واهتمامي الشديد وحرصي ألا تقع مثل هذه الحوادث٠فقد وقعت٠ولأبسط الأسباب٠عطل كهربائي أشعل هذا الحريق وأشعل معه أحزاني وآهاتي وأوقدها٠إذ كنت قبل حدوثه عاجزة عن تدبر أموري٠فكيف حالي الآن بعد أن أحرق أعصابي وأفكاري قبل أن يحرق أغراض مطعمي وأدواته٠لكني بعد فترة من الزمن أكتشف أن هذا الحريق الصغير لم يكن الحريق الوحيد الكبير في حياتي٠فهناك حرائق أخرى نيرانها باردة٠ولكن آثارها أقوى وأشد على حياة الإنسان٠حرائق لم تلتهم كراسي وأدوات وأشياء مادية فحسب٠بل مشاعر وعواطف وبقية الأحاسيس الباقية٠حرائق قد حولت حبي المشتعل إلى بقايا رماد بارد مبعثر٠بعد أن أطفأت نيران حبي واشتياقي لحبيبي في كندا مع مرور الأيام والكلمات المتبادلة بيننا٠ الباردة المتجمدة والخالية من حرارة الحب وعواطفه٠

اكتشفت هذا الحريق وشعرت

بمرارة ألسنة نيرانه الخفية٠وهي تتآكلني ببطء وآه تلو الآه٠عرفت هذه النيران وأحسست بها أكثر من أي وقت مضى ٠في منتصف شهر نيسان٠شهر الربيع والجمال٠اكتشفت المرارة والنسيان في يوم لا استطيع نسيان تاريخه ما دمت حية٠ولأجل سخرية القدر القاسي٠اكتشفت المرارة في يوم تاريخ مولدي٠في منتصف شهر نيسان٠

لم يكن هذا اليوم يحمل في طياته ٠وبين فسحات ساعاته شيئا مميزا لي٠غير أنه اليوم الذي ولدت فيه قبل ثمان وأربعون عاما مضت٠أما اليوم فكان كغيره من الأيام الماضية المعتادة عليها٠بحركاتي وأعمالي٠كنت في طريق عودتي إلى بيتي بعد أن أنهيت عملي المعتاد ٠وبعد أن دخلت منزلي شاهدت أمامي شيئين٠ساعة الحائط والتي أخبرتني بأن اليوم شارف على نهايته٠فلم يبقى سوى خمسون دقيقة حتى تدق الساعة الثانية عشرة ليلا٠وشاهدت ابني أمامي منتظرا في غرفة الجلوس وصولي٠وكان قد أحضر كعكة جميلة بمنظرها وطعمها الذي أحبه٠في محاولة منه لإسعاد قلبي المفطور ٠وكأنه علم وشاهد مافي داخلي من أوجاع٠وعدم رغبتي في العودة إلى المنزل خاصة في هذا اليوم٠اقتربت منه بخطواتي المتعبة ومشاعري المرهقة٠وقف على قدميه وجاء إلي مسرعا ليضمني ويحضنني بين ذراعيه٠ويحاول أن يجعلني أنسى العالم بأسره٠حاول جاهدا أن يخنق أنفاس الزمن المتحرك وأنا بين يديه٠حاول أن يجعلني أنسى غياب ابنتي نور عني٠وقد كانت حاضرة معي وتشاركني فرحة يومي هذا منذ ولادتها٠إنها المرة الأولى التي تبتعد عني في مثل هذا اليوم٠ولا أدري من السبب في غيابها هذا٠أأقول أنه أنا وبسببي٠أم أنها هي السبب في هذا٠أم أقول أنها مشاكلي ومصائبي٠أم ربما أنه هكذا قدري٠فمنذ شهرين حصل بيني وبينهاشجار بسيط٠حالي حال جميع الأمهات والأبناء٠أمسكتها من يدها وشددتها بها قليلا في واحدة من لحظات الغضب المؤقتة٠والتي أسفرت في اليوم التالي إلى لجوء ابنتي لمركز الشرطة٠وشكوتي لديهم٠وكأنني واحدة من المجرمين المطلوبين بشدة للعدالة٠ولكن جرمي الوحيد كان أني صرخت بوجهها قليلا وشددت يدها فقط٠وجرمي الكبير أني حاولت أن أكون والدة معها وأحميها من حماقاتها٠ وكانت النتيجة انتزاعها كما تنتزع روحي من جسدي٠ واعطائها لعائلة أخرى تعيش معها بعيدة عني٠حسب قوانين هذا البلد٠الذي سافرت إليه وأعيش وأعمل فيه منذ زمن طويل وتحولت لواحدة من مواطنيه بعد أن حصلت على الجنسية فيه٠ومازالت ابنتي حتى اللحظة تعيش بعيدة عني٠انتظرت اتصالها طوال هذا اليوم٠أو هذا ما كنت أرجوه منها٠أن تتكلم معي بالهاتف وتقول لي أتمنى لك السعادة في يومك هذا٠وفي أيامك وسنينك القادمة اللاحقة٠وكم تمنيت وحلمت بأن أسمع صوت الحنين والإشتياق بين كلماتها تلك٠وكذبت على نفسي و مشاعري وأفكاري حين حلمت بأن أراها موجودة و تنتظرني في المنزل في محاولة منها لإهدائي مفاجأة مفرحة٠ولكن للأسف لم يحصل شيئا من هذا كله٠وكأنني لم أعد أعني لها شيئا٠وأصبحت نسيا منسيا خلال الأيام والعصور الغابرة و العابرة خلف المجهول٠

أجلس مع ابني وأمامنا قطعة الكعك المزينة بشمعتها الوحيدة٠والتي أضاءت بنورها الخافت سواد الغرفة وسواد أفكاري المعتمة٠التي راودتني حول الأشخاص الذين تخيلتهم جالسين بجواري الآن في مثل هذه اللحظات كأخواتي وأبناءهن٠وابنتي ٠والأشخاص الذين افتقدت سماع صوتهم في مثل هذا اليوم٠كحبيبي البعيد عني في كندا٠وبعد أن تناولت مع ابني كعكة يوم ميلادي٠واحتفلت معه لبضعة دقائق لم أشعر بها كيف مرت ٠لإنشغالي بالتفكير بكل الأشخاص الذين لم يشاركوني فرحة يومي هذا المزعومة٠دخلت بعدها غرفتي لأشاهد أمامي على شاشة كومبيوتري٠آخر شيئ كنت أتوقع مشاهدته٠من أحدث صديق لي وآخرهم٠فقد أصبح ذلك الشاب الذي شغل عقلي وقلبي بعبارته عن الحب وكذبته٠من أعز أصدقائي٠إن لم يكن صديقي الوحيد والأوحد في هذه الدنيا٠فمنذ ذلك الحين عندما تحدثنا معا وتعارفنا ببعضنا البعض٠حتى هذا اليوم بعد عدة شهور٠قضيناها معا لساعات طويلة بشكل يومي ٠لم تهرب خلالها من شفاهنا كلمة إلا وقلناها٠تناقشنا طويلا وسهرنا لوقت أطول٠والآن هاهي هديتي يرسلها إلي عبر الكومبيوتر٠جملة واحدة تحوي سلة مليئة بأجمل وأحلا الأزهار والورود٠يهديها لي في هذا اليوم٠أعطاني الشيئ الذي لم أكن أطلب أكثر منه وأتمناه من أخواتي أو حتى حبيبي٠وهو كلمات جميلة وأحاسيس صادقة تنسيني غضب هذه الدنيا والأيام مني٠وربما أعطاني الشيئ الذي أحاول دفنه في داخلي ونسيانه٠وهو أني أصبحت منسية من الجميع٠ولكن لا أدري وفي لحظات كيف تحولت إلى إمرأة أخرى مختلفة عن تلك المرأة المحطمة من أعماقها٠سمعت منه كلمات جعلتني أنسى آلامي التي كنت أعيشها وأحياها في كل لحظة من لحظات هذا اليوم٠أصبحت أكثر قوة وجرأة على تحدي كل ما أشعر به من خذلان جميع من أحبوني أو اهتمو لأمري في يوم من الأيام٠ومن الذين يعاملونني كحجر٠بعد أن كنت في حياتهم من أروع الأشخاص والبشر٠وفجأة تساقطت دموعي الأخيرة ٠ولم أعلم كيف استطاع رؤيتها من خلف الحدود الكثيرة والمسافات البعيدة التي تفصلنا عن بعضنا٠وكأنه أحس بأني أعيش لحظاتي الأخيرة في هذه الدنيا البائسة٠سألني بغير استئذان٠(هل تموتين الآن؟أجيبي)

ترددت قليلا قبل أن أجيبه٠فأخبرني (إن لم تكوني تموتي فإنني أنا أموت في هذه اللحظات)٠

شعرت به من كلماته وأحسست بآلامه فاعترفت له بفعلتي٠وكانت أطرافي قد بدأت تتمرد على عقلي الذي قارب على الدخول في سبات أبدي٠كانت أقراص الدواء الكثيرة التي تناولتها دفعة واحدة قبل عودتي لمنزلي قد بدأت بالذوبان داخل معدتي٠وبدأ تأثيرها يبدو واضحا في أعضاء جسدي٠بداية من أطرافي الخدرة٠إلى عيوني التي تأمرني بإغلاقها للأبد٠وصولا إلى عقلي وأفكاري والتي بدأ بفقدان سيطرته عليها٠ صرخ بي وأمرني بالذهاب مع إبني للمشفى٠والذي كان خارج المنزل بعد أن أخبرته بالذهاب لزيارة أصدقاءه٠تمضي الدقائق القليلة المتبقية لي أمامي وكأنها سنين وعصور كاملة٠أشاهد فيها نفسي ولا أتذكر شيئا سوى أوجاعي وآهاتي وقلبي المفطور ٠والذي غدا لكثرة ما عاش من آهات ولوعات بحجم قلب النملة إن لم يكن أصغر٠

أسمع صوته وصرخاته تناديني٠من خلال كلماته التي يأمرني بها بفعل شيئ ما وبسرعة٠أحسست بخوفه علي٠ولوعته مما أعانيه٠وشعرت للمرة الأولى بأني لست منسية من الدنيا بأسرها٠وعرفت من نبضات قلبه المتسارعة والتي انعكست بين حروف كلماته٠بأن حياتي تساوي الكثير والكثير٠إن لم يكن لي أنا فربما لأشخاص آخرين من القلة الباقية فيها٠بمن فيهم صديقي هذا٠

رأيت من خلال كلماته تلك شعاعا من الأمل يخترق عنان يأسي ٠ويضيئ نقطة بيضاء في صفحة أيامي الطويلة السوداء٠في هذه اللحظة تراجعت عما كنت أنوي القيام به٠وتراجعت عن قراري الذي اتخذته في بداية يومي هذا٠وهو أن أنهي حياتي وأرمي بها في عالم المجهول٠في اليوم ذاته الذي ولدت فيه وجئت به إلى هذه الدنيا٠قررت أن أغادرها فيه٠وفي هذه اللحظة بالذات أيقنت هديتي الكبيرة التي أهداني إياها صديقي هذا٠فلم تكن فقط سلة كلماته المليئة بالأزهار٠بل حاول إهدائي حياتي التي كنت أنوي خسارتها بيدي واختياري أنا٠أدركت السر الخفي الكامن وراء إرتياحي له منذ بداية علاقتنا وصداقتنا٠أيقنت محبة الله لي وتسخيره صديقي هذا لينقذني من الخطيئة الكبرى التي كنت سأرتكبها بنفسي في لحظة ضعف مجنونة٠وكانت ستكون أكبر من جميع أخطاء حياتي مجتمعة٠والمضحك المبكي٠أنها كانت ستكون من صنع يدي أنا٠

جمعت أشلاء جسدي وبقايا أفكاري الواعية٠ودخلت إلى الحمام٠حاولت إخراج ما في معدتي من بقايا أقراص الدواء التي مازالت موجودة فيها٠أحسست بسكاكين تقطعني وتنغرز بجدران معدتي٠بقيت هكذا للحظات معدودة٠ولم أشعر بجسدي إلا بعد دقائق معدودة ٠كنت خلالها قد فقدت وعيي ولم أدري بما حصل لي خلالها٠لا أعرف كيف وصلت لسريري ورميت جسمي المتعب٠والذي لم أعلم بما سيحدث له بعد لحظات أو ربما ساعات قليلة٠لم أستطع التفكير بأي شيئ ٠وأحسست بالعجز الكامل في جميع أعضاء جسدي٠استسلمت للنوم المفاجئ رغم إرادتي٠ولم أدري في هذه اللحظة٠إن كان نومي هذا هو بداية موتي ونومي الأبدي السرمدي٠أو أنه نوم سأحلم به بشيئ جميل٠وأستيقظ في الصباح التالي كغيره من الأيام السابقات٠شعرت بدوار شديد في رأسي٠وأحسست بآلام شديدة في جسدي٠لم أتخلص منها إلا بعد دقائق قليلة٠حين لم أعد أشعر بشيئ من حولي٠لم أشعر سوى بهذا الشعاع الخفيف للشمس٠والذي نام على وجهي دون أن يأخذ أي إذن مني وموافقتي٠فتحت عينيا وشاهدت الشمس خلف نافذتي٠ عرفت في هذه اللحظة وحين وضعت يدي على وجهي٠أني مازلت حية٠ولا أدري بما أحسست خلالها٠أهو الفرح لأني استطعت إخراج بقايا أقراص الدواء قبل أن تتسلل إلى دمائي٠واستطعت مشاهدة شمس هذا الصباح٠أم أحسست بالحزن لأني لم أنهي ما بدأته٠ولكن ما أن أمسكت بهاتفي٠وشاهدت رقم صديقي بين أرقام المكالمات التي لم أجيب عليها بعد أن نمت٠وقد كان الرقم الوحيد المتصل٠شعرت بفرح كبير وانزعجت من نفسي٠لأنني عجزت أن أمنحه الفرحة التي طالما منحني إياها٠٠٠في هذا الصباح قررت أن أبدأ صفحة جديدة في حياتي٠حاولت أن أعيش أيامي الباقية مفعمة بالأمل المنتظر ولو بعد حين٠أدركت أن هذه الدنيا برغم مافيها من صعاب ومآسي٠لكنها تستحق أن تعاش رغم كل شيئ٠فمهما كان سواد أيامنا شديدا يبقى هناك مكان صغير لشعاع أمل يضيئ حياتنا هذه٠٠

وصحيح أن قلب النملة صغير جدا٠غير أنه يمنح الحياة لأكثر المخلوقات صغرا وقدرة على التحمل وعدم الشكوى في هذه الدنيا٠

فكثيرة هي الامم والحضارات التي اندثرت وضاعت في لحظة من لحظات الزمن القاسية٠ وكثيرة هي الزهور والورود التي داستها أقدام القساة قلوبهم أو في غفلة عن الجمال القابع تحت تلك الأقدام٠وكم عدد الحشائش والأعشاب الخضراء التي لونها الزمان وقساوة الشمس وصبغتها بالأصفر الباهت لون المرض وسكرات الموت٠وكم وكم وكم٠العِبرة والأمثال ليست هنا في اندحار البشر وموت الورود وانتحار العصافير وتبخر الأنهار وجنون البحار٠العبرة في هذا كله٠أن البشر رغم الجراح والآهات٠رغم الأنين والآلام٠ رغم المآسي رغم ذلك كله٠ استمرو بالحياة واعطو الحياة معنى آخر ٠معنى الصبر وطعم النجاح ٠معنى الفرح بعد أيام التعب والبكاء٠ والورود بعد انكسارها عادت لتزهر بعد أيام الشتاء٠وكم امتلأت أنهار بعد جفافها في يوم من أقسى أيام السماء٠ والبحار بعد فورة الغضب ٠ عادت لتهدأ وتمنحنا لحظة صفاء٠نعم لولا الله وحكمه فينا وزرعه روح الأمل في نفوسنا وفي كل شيئ من خلقه لما كان يوجد في الارض شيئا٠

سوى بضع ذكريات ٠وأنين وصرخات عاشت وتخلدت في نفوسنا٠على أطلال تلك الذكريات٠

♥♥♥♥♥♥♥♥♥♥♥♥

        ¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

               <><> النهاية <><>

_________________________

                        إهداء 
          ♥♥♥♥♥♥♥

             

¤إلى الروح العذبة المعذبة في سراديب وغياهب هذا الزمن القاسي الذي لا يرحم٠

وإلى الشمعة التي أحرقت نفسها عبر تلك السنين الماضية٠وما زالت ٠  

وإلى الملاك الذي سكب أسراره في روحي وجسدي٠

إليك أهدي كلماتي هذه٠٠ 

وإلى جميع النساء المعذبات٠٠٠٠٠

……………… 
#بقلمي; شاكر الحريري

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بهرجة التّمنّي// بقلم . أ // جميلة مزرعاني

متأسف جدا // بقلم الأستاذ // فؤاد چاسب

تحليل ونقد لمقطع من القصيدة // وكان ذاك حبيبا // للشاعرة الأستاذة // نسرين صايغ // بقلم الأستاذ الشاعر والكاتب // علي محمد العبيدي