قراءة نقدية // حكايات واساطير الكوانين // في المجموعة القصصية //:ليلة المرقد // للقاص شوقي كريم حسن // بقلم الأستاذ // اياد خضير

حكايات واساطير الكوانين
في المجموعة القصصية ( ليلة المرقد )
للقاص شوقي كريم حسن
اياد خضير
جاءت  في عتبة الغلاف الاخير للمجموعة القصصية ( ليلة المرقد ) بأنها مستلة من منابع ليالي الكوانين السومرية، احتوت على 21  قصة قصيرة سأتناول بعضاً منها.
                                        
الحوار والوصف في قصة ( ليلة المرقد )
يقال: ( أن الوصف نكهة السرد ) يكثر في هذه القصة الوصف والحوار، أغلبها باللغة العراقية ( العامية ) والتي تجعلنا نحن ابناء الجنوب نتلذذ بقرائتها، كونها لغة اجدادنا وجداتنا على مواقد الشتاء ( المنقلة ) حكايات فيها عبرٌ ووصف للحالات التي تهز الروح والجسد .
( استمعت لابي، يقول مقتعداً صدر الديوان لافاً الى ساقيه بقايا خطوته العاجزة عن المسير الى غير تلك اللحظات التي عاشها، دافعاً بانهياره وتلكؤه ودعوات جدتي الى حافة الاضطراب).ص9
( طيور فقدت بياضها وعدت مثل مقبرة مهجورة، مص نفساً عميقاً فتطاير مثل طيور فضية صغيرة تابعها بحزن) ص10  
( نهضت متباطئاً وتمتمت لنفسي التي كانت تغلي مثل قدر ماء: ) ص17  
الحوار عند شوقي كريم حسن  له دلالة واضحة يستفيد منها المتلقي وهي ليست بهرجة او زينة تزين السرد، فهو متمكن من ادواته السردية، يمتلك مهارة عالية في بناء الشخصيات والحبكة، كذلك الحوار عنصر مهم من عناصر السرد القصصي، فالحوار عنده له دلالة، الهدف منه تبادل الافكار والخبرات بين الاشخاص، منولوج داخلي بين الشخص ونفسه وخارجي بين عدة شخصيات لشرح ما كانت ليالي الكوانين السومريين من حكايات .
( حكاية لا تنتهي الا بانتهاء اعمارنا من اجل ان نقصها لابد وان تتحول كل غابات العالم الى حطب موقد، وكل نساء العالم الى مستمعات ثرثارات، وكل رجال العالم الى عبيد صامتين.. أنستطيع هذا؟ )ص21
تنتهي قصة (ليلة المرقد )    
( وتحس ان ايامك مرت دونما جدوى، ليل طويل تلوكه الحكايات ونهار مشحون بالرعب !! ما الذي يجعل المرقد يشع بكل هذا السنا.. من هي.. هذا ما حيرني؟
سمعت ابي يهمس لعمي وينهضان معا، تبعتهما بخطوات وجلة مترددة..!! ) ص25
( الشيء ) قصة ملغزة
شخصيات شوقي كريم حسن مأخوذة من العامة المسحوقة، يصورها بالكثير من الاحترام والتعاطف ذاكراً اللهجة في التعامل فيما بينهم، فنشاهد قصصه ورواياته فيها الكثير من الاحداث ومراحل تجرنا الى الاسطورة، اسلوبه بارع التنوير يخلو من الترهل والاسهاب، واقعي من خلال تجاربه في الحياة  الصعبة التي عاشها في شبابه كونه من عائلة فقيرة، محب للخير وصاحب قلب ابيض حنون.. اهتمامه بنقل الصدق في مشاعره مؤكداً على موقفه من الحياة.  
القصة تدور وتتمحور
عن شخصية ( عبد الله الرفش ) الذي يطمح بتغيير زوجته الى اخرى لها مواصفات يفكر بها، القصة ونحن نقرأها، نشعر بانها تلامسنا، ننجذب لها عبر لغتها البسيطة والتي تنطوي على معانٍ عميقة ذات قيمة حسية في قفلتها التي اجادها القاص شوقي كريم حسن كونه له باع طويل في كتابة الروايات والمسرحيات والقصص.
( كان عبد الله الرفش يحلم بوجه غير وجه زوجته، وجه لمرأة شقراء تشع مثل شمس الغروب، ترتدي فستاناً ازرقاً بلون البر تقال، فجأة مر بيده الى ما بين دشداشته والقلب واخرج صورة تفحصها ملياً ونشج بصمت) ص131  
الشخصية في قصة ( الشيء) هي جزء من البناء القصصي، بل هي المحتوى لكل القصص، لان احداثها تنبثق من خلاله الى شخصية البطل وصراعه مع المجهول الذي يدق نواقيسه كوجود شعوري نشعر به في كل محتويات القصة من صراع وحبكة ولا نستطيع الهرب منه الا في قفلة رائعة كتبت بإتقان صاغها شوقي كريم حسن، والتي تجعل المتلقي يفكر بعد الانتهاء من قرائتها، حوار يكشف عن شخصية ( عبد الله الرفش ).
( قالت العجوز التي نظرت  الى نفسها عبر المرآة بعجب صبية في الخامسة عشر من عمرها:  
ــ ما ضاع حلمي!!
وقالت بائعة الحب : الحلم هو ان تحافظ عليه
وقال امام الجامع: ليس الرفش ولدها.. الجن القوا هذا المسخ في طريقها بعد ان سرقوا ولدها الجميل!!
وقالت بائعة الخبز: قلت لها ضعيه بين قبرين وانتظري!!
ابتعدت النسوة خائفات مبسملات، وركض عبد الله الرفش باتجاه مزار المرأة التي جاءت الى القرية تبحث عن حلم، فصارت مزاراً للنسوة العاقرات.) ص132
يرى القاص والناقد الايرلندي ( فرانك اوكونور ) ان القصة القصيرة هي ((فن اللحظة المهمة )) واختيار هذه اللحظة من ادق مهارات القصاص البارع، فان اجاد الاختيار واقامة البناء القصصي من ثم، فان هذه اللحظة قد تكشف عصرا بكامله، فالقصة القصيرة تجسد اللحظة المهمة في بناء فني قوامه الاساس التكثيف والتركيز والتقطير، الذي يشمل كل لحظة وكل جملة والشخصيات والمواقف والوصف والحوار.. الخ )
قصة ( الشيء) محبوكة بدقة كتبت بعناية وتركيز .. منولوج يعتبر عنصر مهم من عناصر السرد القصصي يعتمد عليها الكاتب في الولوج الى دواخل الشخصية للكشف عما يجول في تفكيرها. 
( استلمت المرأة من بين نهديها دبوساً وغرزته في أعماق الدمية وبكت، قالت الدمية:
ــ ماذا؟
ــ أعرفتني
ـ أجل!
ــ أتقدرين على حمل صبري؟
ادارت الدمية راسها صوب باب المقبرة، وأومأت فبرى ضوء، وتعالت أصوات صراخ واستغاثة، بهتت المرأة وارتجف جسدها مثل سعفة )ص133
قصة ( الشيء) من القصص الملغزة كما ذكرت من خلال المنولوج الخارجي نكتشف ذلك.
( كان الشيء الممسوخ يتحرك نافضاً التراب من حوله فقالت المرأة للدمية:
ــ أما قلت لك !!
قالت الدمية لعبد الله الرفش:
ــ كن شجاعا ولو لمرة واحدة!!
قال عبد الله الرفش للشيء الممسوخ:
ــ أتعبتني طوال هذه السنوات !!
وقالت الزوجة لزوجها:
ــ كنت أعرف ما يدور بخلدك!!
وقال عبد الله الرفش لزوجته وهو يقبلها عند مفترق شعرها:
ــ أه .. لو لاك ما فعلت هذا!!) ص136
تنتهي القصة
( ومد يده الى ما بين الدشداشة والقلب متحسسا الصورة التي بللها عرق الرغبة، وما فتئ ان انسحب جارا خلفه ركاما من الاشياء الممسوخة المثيرة للرعب، صرخ الولد الصغير خلفه، فانسحب هذا الشيء خارجاً وبكى بصمت !!. )
شوقي كريم حسن اديب موسوعي، قاص وروائي ومسرحي غزير الانتاج، كتبه واسعة الانتشار والاقبال على قرائتها شديد، تحكي حياة الطبقات الشعبية تروق لفئة كبيرة من الادباء، حبكتها متراصة ممتلأة بالحوارات والصور والتي تتمركز شيئا فشيئا متناسقة الى حبكة تقودنا الى العقدة، اغلبها على غير ما يتوقعه المتلقي، المتعة التي يجنيها القارئ في لحظة الاضاءات تلك، قسم يحس بالمرارة من الحياة الصعبة التي يعيشها بعض الاشخاص فهو ماهر له موهبة متدفقة رواياته تحمل اسماءها من صلب المجتمع العراقي الشعبي مثل: هتلية/ سيبندية / شروكية / هباشون  غيرها من الاسماء كلها معبأة بكلام العامية، كذلك المجاميع القصصية على سبيل المثال المجموعة القصصية ( ليلة المرقد ) التي نحن بصددها، اسماء قصصها : الدفاف/ الحافه / النهام / الكرسوع وغيرها من اسماء المجموعة التي ينشد اليها القارئ.
قصة ( الكرسوع )... الكرسوع هو طائر يتواجد في مناطق الاهوار، قصة تحكي الحياة في الاهوار وصف رائع للماء والى الطيور الخضيري والزرازير والكراسيع  وهي تلتقط الاسماك الصغيرة من الماء، تراقب من قبل الشخص الذي يدفع بالمشحوف بواسطة المجذاف تحكي الحياة في مناطق الاهوار المترامية الاطراف، وصف رائع للمكان، حكايات واساطير الكوانين السومريين.
( تراجعت المرأة مترددة، ورفع الرجل المردي فأنزلق المشحوف وسط هسهسة البردي ونقيق الضفادع ولغط الطيور الدائرة كالمروحة، كانت المرأة ترتقي بحلمها منتشيه صوب الولد الضوئي الذي يتحسس ساقية بابتهاج، قالت:
ــ لا تخرج!!
فصعد عينيه الى وجهه المراقب عند  الحوش اسراب الزرازير والفواخت الغارقة بزقزقتها الباذخة، وضع يده فوق فمه مثل بوق وقوقئ:
ــ ياقوقتي!!) ص122            
المجموعة القصصية ( ليلة المرقد ) قصص جميعها تحكي الرهبة والخوف والتوجس في الانسان وهي ملازمة له منذ القدم كصراع داخلي يتحول الى صراع مع المجتمع وهي من حقائق الحياة والسلوك الانساني تحمل لغة بسيطة، عادية يقرأها كل متلقي مهما كانت ثقافته، تثير اعجابه، البعض منها مشحون بالرمز والايحاء، كل قصة من قصص المجموعة اقتصرت على موقف او لحظة مهمة او نقطة تنير مساحة كبيرة من زمنها وحدثها المستقلين، تجذب انتباه المتلقي الذي يظل مشدوداً لها حتى النهاية.
يذكر ان المجموعة طبعت في مطبعة جعفر العصامي للطبع والتجليد الفني بواقع 284 من الحجم المتوسط.    
1

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بهرجة التّمنّي// بقلم . أ // جميلة مزرعاني

متأسف جدا // بقلم الأستاذ // فؤاد چاسب

تحليل ونقد لمقطع من القصيدة // وكان ذاك حبيبا // للشاعرة الأستاذة // نسرين صايغ // بقلم الأستاذ الشاعر والكاتب // علي محمد العبيدي