الأستاذ الأديب // علي البدر // تحليل نقدي للقصة // ذات مساء // للقاص علاء الدين الحمداني
علي البدر والتحليل النقدي لقصة "ذات مساء" للقاص علاء الدين الحمداني
1) القصة
تعبرين حلمي قبلة دافئة في آخر الليل على خد سراج مطفأ.. في أول المساء، لم يزل ينضح من عيوني شوقاً ساخناً كلهفة البرد للكوانين، لم يزل دافقا وهج أنفعالي، وعلى سابق عهدي ذراعي للآن تُجيد العناق. تُجيد إذابة الجليد من جلد مستهامةٍ هجرتها الأنامل..
تعالي حينما يحلُّ الغروب وتنام الشمس في منأى بعيد.. نطلي السماء بلون خدك الورديّ.. ندلق فيها رشرشات من خمر رضابك الناعس. -فتَبتسم النجوم..نثمل سويا... ويموج الياسمين نشوانًا حين تُهامس أناملي ثغرك.. ويترنَّح النسرين واهباً لونه الأزرق للضفاف.
أغرسي أناملك البيضاء في النهر يكفي أن يتدفق الجدول راكضاً بأكتاف الضفاف.. يخضرّ القصب ويينع في الروح سنا عينيك...
فلذة قلبي المحبوبة والممزوجة بالهال والشعاع.. مشهور أنا بالحزن الأبديّ...
لا تقلقي إن ذرفت مدامعي حين هَمَسّتِ في أذني كم أحبك أيها الشاعر الحزين.. لا تقلقي لو ارتجفت أصابعي وذرفت حروفي حين أكتبك قصيدة...
2) ألتحليل النقدي
يناشدها بعدم القلق عندما تغور في ثنايا قصيدة قد يكتبها إليها. وماذا نتوقع من تلك المعاني التي تسبب قلقا لحبيبة يعشقها بجنون ويتوسل من أجل قبلة "دافئة في آخر الليل على خد سراج مطفأ...؟" ألا يفترض من الحبيبة أن تفرح وتتوغل في أعماقها السعادة بدلًا من القلق؟ ولكن عاطفة بهذا العمق من حبيب على سابق عهده، ذراعاه "للآن تُجيد العناق. تُجيد إذابة الجليد من جلد مستهامةٍ هجرتها الأنامل.. "، لابد أن تورث الحزن في أعماقها. حزن يشوبه خوف على الحبيب يعقبه قلق تعكسه معاناته التي ينقشها في سطور قصيدته. ونلا حظ صيغة التوسل " لا تقلقي...". أرجوك وأتوسل إليك أن لا تقلقي عندما تعصف أعماقك حرارة انفعالاتي. " تعالي حينما يحلُّ الغروب وتنام الشمس في منأى بعيد.. نطلي السماء بلون خدك الورديّ.. ندلق فيها رشرشات من خمر رضابك الناعس..". معان تجعلها محلقة في عالم الإطمئنان ولكن عندما تفيق من ثمالتها وتحليقها لابد أن يعتريها القلق على حبيب تلفه الوحدة وهو في أوج ألم يتجاهله لأن خوفه عليها يؤذيها.
لقد بدا النص كقصيدة، من بدايته إلى نهايته، حاول الكاتب فيه عكس معاناته من فراق بدا قسريا وليست إختياريا. ونلاحظ من سمو ورقي معاني العشق والغزل أن تلك الحبيبة جزءٌ منه. وأي وصف أرق من " فلذة قلبي المحبوبة والممزوجة بالهال والشعاع...". ونلاحظ التوغل في عكس المعاناة التي صبغته بالحزن وبات معروفا بمعاناته. أجل يا حبيبتي " مشهور أنا بالحزن الأبديّ... ". وعليه بات من الغريب أن يوصيها بعدم القلق worry الذي هو حسب التفسير السايكولوجي الفرويدي: تهديد البيئة المستمر للفرد، أي أنه خوف مستمر continuous fear نهايته القلق وما يصاحبه من إضطرابات نفسية وسلوكية.
وعليه ،وحسب ظني، أن القدر قد خطف الحبيبة، فلذة كبده،. إن الكاتب األأديب علاء الدين الحمداني بدا وكأنه يعكس نفسه reveals himself ضمن إسقاطات نفسية وفلسفية، فالمعاناة التي يتصورها لحبيبته هي في الحقية معاناته. لقد اتحد النص وامتزج بشكل هارموني نادر unique مع شخصية الكاتب، التي لايمكن عزلها عن حيثيات النص وهنا قد لا أتفق مع "رولان بارت" صاحب نظرية موت المؤلف. وأعتقد أن نظريته هي التي ماتت ويقال أنه تخلى عنها.
ولو كانت الحبيبة قد هجرته لما تدفقت تلك العاطفة. وأي شيء أقوى من القدر الذي يحرم الحبيب من ارتشاف ذلك الرضاب الناعس الذي يجعل بل يجبر النجوم على أن تبتسم؟ ومن يعوض لحظاتِ تموج الياسمين نشوانًا وجعل النسرين يهب لونه الأزرق للضفاف، وتلك الوجنات المتوردة التي تصبغ السماء. إنها لعمري مبالغة فريدة unique exaggeration.
وعندما يرتد الفردُّ نحو أعماقه، يشعر بالوحدة أو ما يسمى بالإغتراب alienation وهو وسط أهله أو وطنه فيشعر بالضعف حيث تلفه الغربة فيتمنى ولو قبلة تكسر وحشته: " تَعبُرين حلمي قبلة دافئة في آخر الليل..." وبالتأكيد لابد أن تثمر القبلة عن تخليصه من وحدته، عندما ترقص الأزهار ويتغير لون السماء و يتدفق الجدول راكضاً بأكتاف الضفاف..و يخضرّ القصب ويينع في الروح سنا عينيها.
وهكذا وضمن أسلوب سلس انسيابي متماهيُا مع انسيابة العاطفة والمشاعر غير المصنعة، انعدم فيه الحوار الثنائي dialogue يتمكن الكاتب من جعلنا وسط دائرة أشواقه وحرمانه وأمنياته وأحلامه التي تأرجحت بين أحلام ليل وأحلام يقظة، وهما ضروريان كوسيلتي تفريغ لشحنات انفعالية مكبوتة. وعليه لابد ان يبقى على عهده الممزوج بالقلق عليها " لا تقلقي لو ارتجفت أصابعي وذرفت حروفي حين أكتبك قصيدة...". لقد ذاب البعد الزمكاني وأصبحت لحظات وجودها في كل ذرة في السماء، بين النجوم وعلى ضفاف الأنهار وعلى أنغام رقصات النرجس والياسمين ولكن يبقى ذلك المساء فاعلًا ومشحونًا بالإمل بتلك القبلة التي تسكره فيغرق في أحلامه وإلى الأبد. من هنا فإن اختياره لعتبة النص كان مدروسا . ولابأس من تبديل كلمة عيوني التي وردت في بداية النص إلي عينيًّ، ومن الممكن إعادة صياغة السطر بسبب تأثير الفعل الناقص ليصبح : لم يزل ينضح من عينيَّ شوقٌ ساخنٌ، بدلاً من شوقًا ساخنًا. تحياتي والورد إليك.
علي البدر
بغداد 2023
تعليقات
إرسال تعليق