بيع الذكريات // قصة قصيرة // بقلم الأستاذة // شهرزاد الربيعي

بيع الذكريات

كان من نوع الاطفال الكبار الذين لا يموتون الا عن طريق العضو الاكثر حساسية وهو القلب، عاش حياته بفطرة سليمة لم تلوثها بيئتها العدائية، جمع اجزاء روحه المبعثرة ومقتنياته المتهالكة ليغادر المنزل الذي باعه، باع حلمه ليستبدله بحلم آخر اذا كان بالامكان بيع الأحلام أو استبدالها، فقط لتستمر الحياة، تذكر كلام صديقه كريم عندما كانوا يفكرون بوسائل للعيش أيام الحصار فقاموا ببيع مقتنياتهم النفيسة والغير نفيسة وحتى أثاث المنزل والسجاد ولم يبقى لديه غير مجموعة (كاسيت) شرائط تسجيل صوتية قديمة، فقط لسد الرمق، سأل صديقه كريم كيف يبيعها فأجابه :_ هل بالامكان بيع الذكريات ؟  في ذلك الوقت باع الذكريات ليعيش، والآن باع البيت الذي صنع تلك الذكريات التي باعها سابقاً، لم تعد الذكريات واضحة تماماً، فوضوحها أصبح مرهوناً بقوة الاستحضار التي فقدها، قلّب بعينيه ثنايا المنزل كنظرة وداع، أحس بالتعب في كل خلية من جسمه، بشرة وجهه سجل حافل بالتاريخ، لكنه تاريخ جميل، لايريد فراقه، قال لمن اشترى منزله :_ أعتقد انك ستسعد في هذا المنزل، لقد كان عتبة خيّرة، خرج منه خمسة اشخاص الى بيت الله، أتمنى لو كان لهذا المنزل لسان ليبريني الذمة، فقد تعاملت معه بحب، وهمَّ خارجاً ولكن عند الباب الخارجي بدت شجرة النارنج مثقلة بحملها اكثر من المعتاد متدلية الأغصان، لدرجة انه اعتقد أنها تبكي أو حنت أغصانها لتُحييه، التفت الى المشتري قائلا :_ أه، لقد وعدت تلك الشجرة أن لا أقطعها ما حييت، لا أدري كيف سأفي بوعدي هذا، وأحس انه قد بالغ كثيرا وخشي أن يضايق الرجل بكلامه، حاول أن يتمالك نفسه وقد خامره الشعور بالافتضاح والعجز وخيانة الذات، في تلك الاثناء تمسحت قطته برجله كعادتها ربما كانت جائعة، انتبه انه تخلى عنها، لكنه تذكر بأنه كان يدعوها (بريّة) لأنه لم يستطع ان يجعلها تتخلى عن طبعها البري خلال السنوات الست التي عاشتها معه، فقال :_ أمانة الله، اذا كنت تكره القطط، لا تؤذيها اذا ترددت على المكان، انحنى ليربت على رأسها، وخرج مسرعاً دون أن يودع مشتري المنزل .
شهرزاد الربيعي/ العراق 
من كتابي (تانغو قصص قصيرة) ٢٠١٦

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بهرجة التّمنّي// بقلم . أ // جميلة مزرعاني

متأسف جدا // بقلم الأستاذ // فؤاد چاسب

تحليل ونقد لمقطع من القصيدة // وكان ذاك حبيبا // للشاعرة الأستاذة // نسرين صايغ // بقلم الأستاذ الشاعر والكاتب // علي محمد العبيدي